باتّجاه واحد ، وإن وقع في بعضها بل في أكثرها تزييف وتحريف ، ولكن ذلك لم يمنع
من حفظ الخطوط الأُولى وجملة من التفاصيل ، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً . . . ( المائدة : 48 ) ، ولعلّ هذا النوع من التناصّ فيه مقدار من التسامح لأن المتكلّم - بحسب الفرض - واحد لا غير .
وهكذا الحال في نصوص أئمّة أهل البيت عليهم السلام فإنها تعيش تناصّاً وتداخلًا بنحو لا يخفى على غير المتخصّص فضلًا عن المتخصّص ، وهذا النوع من التناصّ إيجابي ومبرَّر ، إيجابي لأنه يسير باتّجاه واحد ، ومبرَّر لأنه ينتهي عند غاية واحدة ، ومن هنا يشعر القارئ المتفحّص بأنّ كلماتهم كنور يخرج من سراج واحد ، وهنالك نصوص تحكي ذلك « 1 » .
علماً بأن التناصّ الذي مارسه المعصومون عليهم السلام لم ينحصر بين كلماتهم ، وإنما مُورس بقوّة مع النصّ القرآني ، فكأنَّ كلماتهم صارت ظلًا للنصّ القرآني .
ولا تخفى دعوة القرآن الكريم للاستفادة من التناصّ للوصول إلى الحقيقة ، سواء من خارج نصوص القرآن أم من داخله ، فهو يهتف بمُخاطبيه بالرجوع إلى الكتب السماوية السابقة ( التوراة والإنجيل ) للتأكّد من دعوة الإسلام وصدق النبي الخاتم صلى الله عليه وآله ، فلولا وجود التناصّ فإنَّ الدعوة
هامش
( 1 ) منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال :
( حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليه السلام وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ، وحديث رسول الله قول الله عز وجل ) .
انظر : أُصول الكافي : ج 1 ، ص 53 ، ح 14 . .