تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
الوقوف عليه هو أنّ هناك اتّجاهاً في فهم وقائع هذه الموضوعة بنحو يختلف عن الفهم المتعارف لها . قال الطباطبائي معلِّقاً على قصّة السجود هذه : ( والقصّة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا ، وتضمّنت أمراً وامتثالًا وتمرّداً واحتجاجاً وطرداً ورجماً وغير ذلك من الأمور التشريعيّة والمولوية ، غير أنّ البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها تمثيلًا للتكوين ، بمعنى أنّ إبليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الامتثال ، أي الخضوع للحقيقة الإنسانيّة ، فتفرّعت عليه المعصية ، ويُشعر به قوله تعالى : فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ( الأعراف : 13 ) ، فإنّ ظاهره أنّ هذا المقام لا يقبل لذاته التكبّر ، فكان تكبّره فيه خروجه منه وهبوطه إلى ما هو دونه . على أنّ الأمر بالسجود أمرٌ واحدٌ توجّه إلى الملائكة وإبليس جميعاً بعينه ، والأمر المتوجّه إلى الملائكة ليس من شأنه أن يكون مولويّاً تشريعيّاً ، بمعنى الأمر المتعلّق بفعل يتساوى نسبة مأموره إلى الطاعة والمعصية والسعادة والشقاوة ، فإنّ الملائكة مجبولون على الطاعة ، مستقرّون في مقرّ السعادة ، كما أنّ إبليس واقع في الجانب المخالف لذلك على ما ظهر من أمره بتوجيه الأمر إليه . فلولا أنّ الله سبحانه خلق آدم وأمر الملائكة وإبليس جميعاً بالسجود له ، لكان إبليس على ما كان عليه من منزلة القرب غير متميّز من الملائكة ، لكن خلق الإنسان شقّ المقام مقامين : مقام القرب ومقام البُعد ، وميّز السبيل سبيلين ؛ سبيل السعادة وسبيل الشقاوة ) « 1 » . وقال في موضع آخر : ( وبالجملة يشبه أن تكون هذه القصّة التي قصّها الله تعالى من إسكان آدم وزوجته الجنّة ، ثمّ إهباطهما لأكل الشجرة كالمثل يمثّل به ما كان الإنسان فيه قبل نزوله إلى الدنيا من السعادة والكرامة بسكنه حظيرة
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 8 ، ص 23 . .