النصوص التي تجلّت فيها الرمزية في دراسات أُخرى نقصرها على بحث الرمزية والأمثال في القرآن الكريم ، وقد ارتأينا في هذه الدراسة المحدودة أن نُبرز هذه الرمزية من خلال تطبيق واحد نعتبره من أهمّ موارد الرمزية في القرآن ، والذي سوف يدور حول تحديد هويّة آدم في الآيات التي تعرّضت إلى سجود الملائكة له أجمعين .
قال تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( البقرة : 31 ) ، وههنا أربع مُفردات مهمّة ، وهي : علّم ( العلم والتعلّم ) ، آدم ( المتعلِّم ) ، المُعلِّم ( الله ) ، الأسماء ( المعلوم ) .
وقد وقع خلاف في تبيين هذه المفردات ، ولكن محلّ الخلاف الأكبر وقع في تحديد هويّة آدم ، فهل هو النبي آدم عليه السلام أوّل البشر ظهوراً على الأرض ، والمعنيّ بقوله تعالى : وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ . . . ( البقرة : 35 ) ، أو أنَّ المراد شخص آخر ؟
أما المفردة الأولى : ( علّم ) ، فما المراد بالعلم هنا : العلم الكسبي الحصولي « 1 » التحقيقي ، أم العلم الحضوري الشهودي الكشفي الذوقي التحقّقي ؟
هنا تُوجد ثلاث قرائن تدلّ على كون العلم حضورياً شهودياً ، وهي :
القرينة الأُولى : إنَّ ملاك التقدّم والشرف الذي حصل عليه آدم بنكتة : فَسَجَدَ المَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( الحجر : 30 ) ، حاكم بكون العلم حضورياً شهودياً أعلائياً ، فإنَّ العلم الحصولي ليس فيه كمالات العلم الحضوري الذي عليه
هامش
( 1 ) في العلم الحصولي يكون المعلوم الحاضر لدى العالم به هو صورة الشيء ، فيكون عالماً بالصورة لا بذي الصورة ، وذلك هو مبلغ علمه ، وأمّا في العلم الحضوري فإنّ المعلوم الحاضر لدى العالم به هو عين المعلوم لا مجرّد صورته ، فهو عالم بذي الصورة لا بالصورة فحسب .
والعلم الحصولي وإن كان له أثرٌ عمليّ وسلوكيّ إلا أنه محدود جدّاً ، وقد يُعدم أحياناً ، بخلاف ما يترتّب على العلم الحضوري . .