فقال : والذي أكرمك بالنبوة ، ما رأيت هذا الملك قبل ساعتي هذه !
فقال الملك : الله أكبر ، فنودي من وراء الحجاب ، صدق عبدي ، أنا أكبر ،
أنا أكبر ، قال الملك : أشهد أن لا إله إلا الله ، فنودي من وراء الحجاب ،
صدق عبدي ، لا اله الا أنا ، قال الملك : أشهد أن محمدا رسول الله ، فنودي
من وراء الحجاب ، صدق عبدي ، أنا أرسلت محمدا رسولا ، قال الملك :
حي على الصلاة ، فنودي من وراء الحجاب ، صدق عبدي ، دعى إلى عبادتي
قال الملك : حي على الفلاح ، فنودي من وراء الحجاب ، صدق عبدي ،
قد أفلح من واظب عليها ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يومئذ أكمل لي الشرف
على الأولين والآخرين ( 1 ) .
( 9 ) وعنه باسناده ، قال أبو العباس : حدثني السيد السعيد ، بهاء الدين
علي بن عبد الحميد ، قال : روى لي الخطيب الواعظ ، الأستاذ الشاعر ، يحيى
بن النحل الكوفي الزيدي مذهبا ، عن صالح بن عبد الله اليمني ، كان قدم
الكوفة ، قال يحيى : ورأيته بها سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ، عن أبيه عبد الله
اليمني وانه كان من المعمرين ، وأدرك سلمان الفارسي رضي الله عنه ، وأنه
روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " حب الدنيا رأس كل خطيئة ، ورأس العبادة
حسن الظن بالله ( 2 ) ، ( 3 ) .
هامش
( 1 ) البحار الطبعة الحديثة ج 18 باب الأذان والإقامة وفضلهما ، نقله بطريقين عن
صحيفة الرضا عليه السلام ، وعن عوالي اللئالي .
( 2 ) البحار الطبعة الحديثة ج 51 ( باب ذكر أخبار المعمرين ) ص 258
ورواه في المستدرك كتاب الجهاد باب ( 61 ) من أبواب جهاد النفس ، حديث 17 .
( 3 ) قد أكثر سبحانه في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه عليهم السلام من ذم الدنيا .
وقد ورد في الاخبار مدحها أيضا كقوله عليه السلام : ( نعم العون على الآخرة الدنيا ) .
وقوله عليه السلام : ( الدنيا مزرعة الآخرة ) وقول سيد الموحدين ، وقد سمع رجلا يذم
الدنيا ، فقال في جملة كلامه : ( الدنيا مسجد أحباء الله ، ومصلى ملائكة الله ، ومهبط وحي
الله ومتجر أولياء الله اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمها ، وقد
أذنت بينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ) إلى آخر كلامه عليه السلام . وفي
الحديث : ( ان الانسان إذا قال : لعن الله الدنيا تقول الدنيا : لعن الله أعصانا لربه ) .
وأما حقيقتها ، فقد غلط بعض الناس فيه . وهو عند التحقيق ، عبارة عن الحالة
التي تبعدك عن ربك وان كانت الصلاة ! فان صلاة الرياء ونحوها مما وقع على غير
المطلوب ، ليس هو من أسباب الآخرة ، فيكون من الدنيا المذمومة . والآخرة عبارة عما
يقربك إليه ، وإن كان الملك والسلطان ، والمال والأعيان التي زينت بها الدنيا
فوزارة علي بن يقطين عند الرشيد ، كانت من أمور الآخرة ، ضمن بها قضاء
حوائج الشيعة وكذلك وزارة صاحب بن عباد عند فخر الدولة ونحو ذلك كثير .
وحكى لي أن رجلا من الشيعة وضع نفسه بالشام عسعسا يعس بالليل ، ويعطى
السلطان في كل سنة مالا جزيلا من غلة عقاره ، ليخلص الشيعة من ضيق يقع عليهم ،
وهذا يخوض في نعيم الجنة من جهة كونه عسعسا . وبالجملة فكلما يوجد من الأعيان ،
فله جهتان ، كالنقدين مثلا فان وقع انفاقه على ما يحب الله ، فهو من أسباب الآخرة ،
وان صرف على غير ما أمر به فهو من أمور الدنيا ، وكذلك المناكح ، والمآكل ،
والمراكب .
وقوله عليه السلام : ( يا أبا ذر ، ليكن لك في كل شئ نيته ) وذلك أن دخول
الكنيف بنية التفرغ للعبادة ، والمحافظة للبدن ، من أسباب الآخرة ، ومقدمات العبادة ،
وكذلك الأكل ، وحينئذ فالدنيا الممدوحة هي ما كان من أعيان الدنيا ، وحالاتها وصلة
ووسيلة إلى الآخرة والمذمومة ، ما كان وسيلة إلى شهوات النفس وهواها ، والقرب
إلى دار الغرور والبعد من دار السرور إلى آخره ( جه ) .