( 4 ) وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : " العقل نور خلقه الله للانسان ، وجعله يضئ
على القلب ليعرف به الفرق ، بين المشاهدات من المغيبات " ( 1 )
( 5 ) وقال عليه السلام : " ليس الايمان بالتخلي ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب
وصدقه العمل " ( 2 ) .
هامش
( 1 ) ذهب الناس إلى آراء مختلفة في معنى العقل وحقيقته . ويظهر من هذا الحديث
انه جوهر نوراني يضئ على القلب إضاءة الشمس في هذا العالم ، ويعرف به ما يمكن
مشاهدته بعين البصيرة ، كالعلوم والمعارف مما لا يمكن الاطلاع عليه ، كأسرار عالم
الملكوت .
وفى كلام المحققين اطلاق العقل تارة على العلم بحقايق الأمور ، فيكون عبارة
من صفة العلم ، وقد يطلق ويراد به المدرك للعلوم فيكون هو القلب ، أعني اللطيفة
الروحانية المتعلقة بالقلب الصنبوبرى كما سيأتي بيانه .
وقوله عليه السلام : لما سئل عن العقل ؟ فقال : ( ما عبد به الرحمان واكتسب به
الجنان ) تعريف له بالغاية ( جه ) .
( 2 ) يحتمل اشتقاق التخلي من الخلوة ، ومعناه الجلوس وحده في مكان خارج
عن المشتغلات ، واشتقاق التحلي من الحلية ، وهي لبس لباس الزهاد . ومعنى الحديث
ليس الايمان باظهار هاتين الصفتين ، كما يفعله كثير من جهال الصوفية . بل الايمان شئ
قلبي يستلزم تعظيم الله ، والحضور معه في أغلب الأوقات . وعمل بالأركان مصدق لذلك
التعظيم القلبي . وفيه دلالة على رد الإباحية القائلة بأن الحضور القلبي مسقط لعمل
الجوارح .
فلأجل ذلك يرد عليهم بمضمون هذا الحديث بأن يقال : التوفير القلبي لا يكفي
عن العمل بالأركان ، لان ذلك التصديق من عالم الغيب ، ومظهره عالم الشهادة ، وهو
العمل الظاهر بالأركان ، فلا بد منهما معا .
ويحتمل أن يراد بالتخلي ، الخلو من الصفات الذميمة ، ومن التحلي الاتصاف
بالصفات الحميدة ، ويكون المعنى ليس الايمان بهاتين الصفتين خاصة ، بل لابد معهما
من الصفتين الأخريتين وهي التوفير القبلي . ونعني به المشاهدات القلبية الموجبة لذلك
التعظيم ، والأعمال الصالحة المصدقة لتلك المشاهدات . فان من شاهد الآثار الإلهية
على التحقيق كان اجتهاده في الاعمال ومراقبة للحق في جميع الأحوال ، أبلغ وأكثر
ولعل هذه صفات الايمان الكامل لا مطلق الايمان ( معه ) .