جميع التمحّلات ، ويجفو قلبه كثرة الأسباب ، وتتحطّم أمامه جميع الأصنام ، ولا تبقى أمامه سوى قبلة الحقّ ينشدّ إليها بكلّه ، وعندئذ ندرك أنّه قد عاد إلى حاضرة الفطرة السليمة والقلب السليم من كلّ شوب وكدر ، فهو سليم معافى من جميع القذارات حتّى من قذارة الغفلة ، وإنّما سُمّي القلب السليم بذلك لأنّه لا يلتفت إلى غير الله تعالى أبداً .
عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام وقد سُئل عن قول الله تعالى إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيم « 1 » ، قال عليه السلام : « القلب السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه ، . . . وكلّ قلب فيه شرك أو شكّ فهو ساقط
. . . » « 2 » .
فإذا ما سلم قلب العبد وعاد إلى فطرته الأولى صار كلّه عيناً باصرة وأُذناً صاغية ونفساً ناطقة بالحقّ ، وقارباً يمخر في أبحر المعارف الحقّة ، لا يُبصر إلّا حقّاً ولا يسمع إلّا حقّاً ولا ينطق إلّا صدقاً ، مخر بمعرفته الحقّة
بحر المعرفة المطلقة وسقاه ربّه ذلك الشراب الطاهر « 3 » ، فلم تعد هنالك بينونة ولا وسائط تعترض سبيله إلى الحقّ سبحانه .
معطيات أخرى للفطرة
جدير بالذِّكر أنّ العود إلى الفطرة له معطيات عظيمة جمّة غير ما تقدّم ذكره من الانفتاح على المعارف الإلهية الأولى ( إثبات الواجب ، وتوحيده ، وبعض مراتب معرفته الحقّة ) .
ولعلّ من أهمّ نتائج ومعطيات الفطرة السليمة الأخرى هي حصول
هامش
( 1 ) الشعراء : 89 .
( 2 ) أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 16 ح 5 .
( 3 ) إشارة إلى قوله تعالى : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً الإنسان : 21 .