تَحْوِيلًا « 1 » .
وبنكتتي السريان وعدم التبديل تتّضح لنا حقيقة عظمى وهي بقاء مقتضى العود إلى الله ربّ العالمين إقراراً وتوحيداً ومعرفةً به ولو بعد حين .
فالخلق إذاً هو الإيجاد المجرّد عن أيّ كيفيّة سوى أصل الخلقة ، وأمّا الفطْر فإنّه إيجاد بكيفيّة مخصوصة لا الخلق المجرّد .
ولا ينبغي التوهّم بأنّ هذه الكيفية المخصوصة سوف تُفضي إلى أن يكون الخلق مجعولًا بالجعل المركّب لا البسيط ، أي أنّهم خُلقوا أوّلًا ثمّ فُطروا على تلك الكيفية المخصوصة وهي معرفته سبحانه ، فيتركّب الخلق
من إيجاد وصفة المعرفة فيكون أشبه بجعل الأرض المشار إليه بقوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا « 2 » فتكون الأرض مجعولة أوّلًا بالجعل البسيط وهو إيجادها ثمّ جعلها ذلولًا بالجعل المركّب « 3 » .
إلّا أنّ هذا المعنى لا يصحّ فيما نحن فيه ؛ فإنّ الخلق لم يُخلقوا أوّلًا ثمّ جعلوا على تلك الكيفية المخصوصة . وبعبارة أخرى : إنّ مفطورية الخلق على تلك الكيفيّة المخصوصة قد أُخذت في أصل جعلهم لا أنّها لاحقة له ، ولذلك عبّر عنها بأنّها خلق الله وأنّه لا تبديل لها .
إنّ هذه الكيفية المخصوصة ليست ملكة تحصل بالكسب وتبقى بالمزاولة وتضعف بالإهمال وتذهب بتركها من رأس ، فهي ليست حرفة ولا صنعة ولا صفة عارضة ، بل هي كالحرارة بالنسبة للنار ، بل هي كناريّة النار
هامش
( 1 ) فاطر : 43 .
( 2 ) الملك : 15 .
( 3 ) الذلول هو السهل ، فيُقال : فرسٌ ذلول ، أي : سهل الامتطاء في قِبال الشموس ، وقد وصفت الأرض بذلك كنايةً عن سهولة ركوبها والاستفادة منها .