الحنيف » « 1 » ، والذي يساعد ويؤكّد هذا المعنى هو أنّ القرآن الكريم قد عبّر عن الفطرة بأنّها خلق الله وأنّها الدِّين القيِّم ، قال تعالى : فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ « 2 » ، ولا ريب أنّ ذلك التغيير إنّما هو تغيير لظاهر الفطرة . فالفطرة السليمة تقتضي المعرفة والتسليم لله تبارك وتعالى والسلوك العمليّ الحسن ، ولكن التغيير العارض على الفطرة يحجب آثارها ويطمس نورانيّتها فيسير الإنسان متخبّطاً كأنّ فيه مسّاً من الشيطان ، بل هو كذلك .
إنّ التغيير وإن كانت آثاره خطيرة ومُهلكة إلّا أنّه يبقى تغييراً عرضيّاً لابدّ للإنسان من دفعه قبل الوقوع فيه أو رفعه عند الابتلاء به . وبذلك يتّضح لنا أنّ الفطرة السليمة هي مقتضى وجود كلّ إنسان سويّ بل كلّ مخلوق ، فلا يولد مولود ولا يُفطر مخلوق إلّا وهو مُتوّج بتلك الكيفية المخصوصة ، ولكن كلّ بحسبه .
إنّ هذه الكيفية المخصوصة وهي خلق الخلق على معرفة الله سبحانه هي السنّة الكونية الأولى وهي سارية في الخلق أجمعين ولا يُستثنى منها أحد البتّة . قال تعالى : الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى « 3 » ، فالله سبحانه يُوجِد الشيء إنساناً وغير إنسان ويُوجِد فيه هذه الهداية الذاتية ، فهي سنّة الله تعالى في خلقه ، وهذه السنّة غير قابلة للتبديل والتحويل أيضاً ، كما في قوله تعالى : وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا « 4 » وقوله : وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 5 ص 85 .
( 2 ) الروم : 30 .
( 3 ) طه : 50 .
( 4 ) الأحزاب : 62 .