الخلق بالحقّ ) والمخلَصية تناسب السفر الرابع ( من الخلق إلى الخلق بالحقّ ) .
وممّا يؤيّد هذا المعنى هو أنّ المعصومين جميعاً أصحاب الشرائع والمنافحين عنها يبدأ سيرهم العملي التطبيقي في إيصال المعارف الإلهية بعد أن يكونوا قد قطعوا السفر الرابع « من الخلق إلى الخلق بالحقّ » ، هؤلاء المرسلون والمبعوثون في الأمم يصفهم الله تعالى بالمُخلَصين ، وهي المرتبة الرابعة في المنظومة الطولية المتقدِّمة الذكر . ولعلّ هنالك إشارات قرآنية تفيد أنّ مقام المخلَصية شرطٌ في النبوّة والرسالة ، كما في قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا « 1 » ، فتقدّمُ الاستخلاص الإلهي مشعرٌ بعلّيته لاستحقاق الرسالة والنبوّة « 2 » .
وسوف يكون لنا سير معرفيّ في تتابع مراتب هذه المنظومة الإلهية التي
تبدأ بالمعرفة وتنتهي بالمخلَصية ومظهرية الاسم الأعظم ، ولكن الجانب المعرفيّ النظري في هذه المنظومة ينصبّ تماماً أو غالباً على المرتبة الأولى التي هي أهمّ كلّ المراتب لأنّها المبدأ والمنطلق والموُرِث للمراتب التي تليها تباعاً ، وكلٌّ بحسبه ، قال تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا « 3 » ، فسال الماء وهو الفيض ، أودية أي محدودة بقدر المتناهي لا بقدر غير المتناهي ، وشقّ كلّ إنسان جدوله بقدر همّته وعزمه فصار التفاضل سُنّة إلهية انضوى تحت حاكميّتها حتى الأنبياء والمرسلون ؛ قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ « 4 » ، فضلًا عن سائر
هامش
( 1 ) مريم : 51 .
( 2 ) انظر : عصمة الأنبياء في القرآن ، مصدر سابق : ص 98 97 .
( 3 ) الرعد : 17 .
( 4 ) البقرة : 253 .