يتصرّف في نظام التكوين ، كما جاء ذلك صريحاً في قصّة عرش ملكة سبأ حيث حمله آصف بن برخيا « 1 » من اليمن إلى فلسطين بأقلّ من طرفة عين . وقد سجّل لنا القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله : قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ « 2 » ، وقد فعل ذلك وجاء بعرشها إلى سليمان بإذن ربّه ، فسُرَّ سليمان لذلك وشكر نعمة ربّه . فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ( 2 ) . فبواسطة هذا العلم الذي أخذه آصف بن برخيا من الكتاب - الذي كان علماً يُسهّل له الوصول إلى هذه البغية - استطاع أن يأتي بعرش بلقيس بأقلّ من الفاصلة الزمانية بين النظر إلى الشيء والعلم به ، وبذلك يتّضح لنا أنّ هذا العلم لم يكن من سنخ العلوم الفكرية التي تقبل الاكتساب والتعلّم « 3 » .
والسؤال الذي يطرح نفسه هو : إذا كان من عنده علم من الكتاب قد تمكّن من التصرّف بنظام التكوين فيكف بمن عنده علم الكتاب أي لديه علم الكتاب كلّه لا بعضه ؟ لا شكّ أنّه سوف يكون أقدر وأجدر على هذا الفعل وعلى ما هو أعظم منه .
بعبارة أُخرى : إذا كان للعلم ببعض الكتاب مدخلية وعلّية في التصرّف التكويني ، فإنّ هذا المعنى سوف يثبت وبدرجات أوسع لمن
هامش
( 1 ) كان وزير سليمان ووصيّه ، انظر : الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 15 ص 396 .
( 2 ) النمل : 40 .
( 3 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 15 ص 397 .