ويأخذ بقلوب الخلق نحو غاية المطلوب وكأنّه طبيب دوّار بطبّه بل هو كذلك على حدّ تعبير أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو يصف الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله « 1 » . وما أروع وأدقّ وصفه حيث يُعبّر عنه بأنّه « دوّار » حيث لم يجلس في محلّ إقامته وطبابته - عيادته - ليراجعه الناس وإنّما هو يقصد المرضى بنفسه يطرق الأبواب ويجوب الأزقّة والشوارع حيث يُطهّر القلوب ويُزكّي النفوس ، فُيبدل قسوتها رأفةً ورحمةً ، وجفاءها وصلًا وقرباً ، وموتها حياةً .
فوظيفة السالك والعارف في السفر الرابع هو مداواة الناس ، وذلك من خلال إيصال الشريعة المقوّمة لحياة الإنسان والمنظّمة لكلّ حركاته وسكناته في حياته العملية ومعتقداته العقلية والقلبية .
فالعارف هنا هو صاحب نبوّة التشريع الحقيقية حيث يكون نبيّاً بالمعنى الاصطلاحي فيبيّن الأحكام الشرعية من أوامر ونواه في دائرتي العبادات والمعاملات ، وبذلك يفترق هذا السفر عن سابقه حيث كان للسالك في سفره الثالث حظّ من النبوّة دون نبوّة التشريع ، أي لا يكون صاحب شريعة ، بخلاف ما هو عليه الحال في السفر الرابع من أنّه سيكون صاحب شريعة ؛ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً « 2 » .
هامش
( 1 ) يقول عليه السلام فيه صلّى الله عليه وآله :
« طبيب دوّار بطبّه قد أحكم مراهمه وأحمى مواسمه يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عُمي وآذان صُمّ وألسنة بكم ، متتبّع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة »
انظر : نهج البلاغة ، نسخة المعجم المفهرس ، مصدر سابق : ص 47 ، الخطبة « 108 » .
( 2 ) المائدة : 48 .