كلّ ذلك العقل هو نفسه يُجيبني بأن لا تحكّمني في ذلك .
ويستمرّ السيّد الحيدري فيقول : ولكن اسأل العقل في مسألة « اجتماع النقيضين » ممكن أو ممتنع ؟ العقل يقول : إنّ لي رأياً فيه . أقول له اسكت . فيُجيبني : كيف أسكت ؟ أنت لا ترى وأنا أرى وأبصر .
أمّا في الرواية النقليّة المتعلّقة بالقضايا التعبّدية فالعقل يقول : لا رأي لي هنا لأني لا أرى ، أي لا يمكنني أن أرى ، بل لابدّ أن أمشي وراء الذي يرى وهو النبيّ ( ص )
أو الإمام المعصوم فهو الذي يرى ويُبصر .
على سبيل المثال أيضاً : تأتيني رواية تاريخيّة كيف أتعامل معها ؟ هل أتعامل معها تعاملًا تعبّديّاً كما هو الحال في صلاة الصبح مثلًا ، أم أذهب إلى القواعد التاريخيّة حتّى لو كانت الرواية صحيحة السند ، فأرى هل تنسجم مع الظروف الاجتماعيّة والأخلاقيّة والفكريّة والثقافيّة لذلك الزمان ؟ فإن لم تنسجم فلابدّ من تركها مع أنّها صحيحة السند والعكس بالعكس .
يواصل السيّد الحيدري حديثه في هذا الصدد فيقول : الآن أصبح منهجي واضحاً في الرواية وهو أنّه عندما آتي إلى رواية من الروايات أُصنّفها أوّلًا حسب الرتبة وفي أيّ باب من أبواب العلم ، فإن كانت مرتبطة بباب علميّ يستطيع العقل أن يقول فيها رأياً ، فأسأل العقل فإن وافق فآخذ بها وإن لم يوافق فلا آخذ بها ، وإن كان العقل لا يستطيع أن يقول فيها رأياً فعند ذلك أكون متعبّداً ، وإذا كانت القضيّة اجتماعيّة أو تاريخيّة فكذلك .
لذا أنا لم أكن من أولئك الذين لا
يعتنون ولا يهتمّون بالسند وإنّما المهمّ عندي هو القواعد المضمونيّة للنصّ ؛ فإذا كان النصّ من النصوص التي يمكن للقواعد المرتبطة بذاك الباب أن تثبت ذلك المعنى ، فالرواية مقبولة عندي ، وإن كانت ضعيفة السند . وإن كان ذلك المضمون لا ينسجم مع القواعد في ذلك الباب فالرواية مرفوضة وإن صحّ السند .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 59
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٥٩