وعلى أيّة حال ، فإنّ ما ورد في الروايات الأُولى التي وصفت أثمان تلك الأعيان وبعض الأعمال بالسحت لابدّ من الوقوف عنده ، فالسحت وإن ذكرت فيه كلمات متعدّدة ، إلّا أنّها اتّفقت جميعها على أنّ المراد منه هو الحرام الذي تتنفّر منه الطباع ، فالسحت أُخذ فيه الحرمة والقبح ، والسحت كما يرى الفراهيدي في كتاب العين : « هو كلّ حرام قبيح الذكر يلزم منه العار » « 1 » ، وقد سُمّي السحت سحتاً لأنّه لا بقاء له ، وأمّا الراغب الأصفهاني فإنّه يقول في مفرداته : « السحت : هو القشر الذي يُستأصل ؛ قال تعالى : فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ ( طه : 61 ) » « 2 » .
إذا اتّضح ذلك نقول : يقع البحث في أمرين :
الأمر الأوّل : هو دلالة الروايات على الحرمة أو عدم دلالتها على ذلك .
والظاهر هو أنّ هذه الروايات تدلّ على الحرمة ويمكن الاعتماد عليها ؛ نظراً لوجود روايات معتبرة السند فيها .
وهنا نناقش الدليل ونسأل : هل يمكن إلغاء خصوصية هذه الموارد والتعدّي منها إلى كلّ ما هو نجس ؟
الجواب : هو أن إلغاء الخصوصية هنا يحتاج إلى مؤونة ؛ إذ لعلّ الخصوصية الموجودة في الخمر والميتة غير موجودة في العصير العنبي إذا غلى .
الأمر الثاني : بناء على صحّة إلغاء خصوصيّة المورد ، يمكن القول إنّ هذه الروايات إنّما حرّمت تلك الأمور ، لأنّها لم تكن لها منافع غير المنافع المحرّمة ، فلو افترضنا أنّ هذه الأمور صارت لها منافع محلّلة عقلائية في
هامش
( 1 ) راجع كتاب العين : ج 3 ، ص 793 ، حرف السين .
( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن : ص 399 ، باب السين .