« إحداها : العقل الهيولاني ، وهي مرتبة كون النفس خالية عن جميع المعقولات ، وتسمّى : العقل الهيولاني ؛ لشباهتها الهيولى الأُولى ، في خلوّها عن جميع الفعليّات » « 1 » ، « وإنّما سمّي عقلًا مع خلوّه عن كافّة المعقولات ؛ لأنّها قوّة قبولها كافّة - المعقولات - بحيث لا استعصاء لها في قبول شيء منها . فإذا قيست إلى القوّة التي في الحيوانات يستبان أنّها عقل ؛ إذ الأشياء تستبان بمقابلاتها ، كما أنّ الهيولى الأُولى ، وإن كانت بالقياس إلى الصور عدم ، لكنّها مقيسةً إلى العدم وجود . . » « 2 » ، وبالتالي فإنّ القول بخلوّها عن جميع الفعليّات يراد منه الفعليّات التي يمكن لحوقها بها ، لا مطلق الخلوّ ، وإلّا فما لا فعليّة له مطلقاً معدوم لا محالة .
« وثانيتها : العقل بالملكة ، وهي مرتبة تعقّلها للبديهيّات ، من تصوّر أو تصديق ، فإنّ العلوم البديهيّة أقدم العلوم ؛ لتوقّف العلوم النظريّة عليها . . » « 3 » ، والأقدميّة هذه أمرٌ لا ريب فيه ، وذلك لأنّ العلوم إمّا نظريّة أو بديهيّة ، والأولى متوقّفة على الثانية ، ولابد أن ترجع إليها ، وإلّا للزم الدور أو التسلسل ، ومن المعلوم أنّ المتوقَّف عليه أقدم من المتوقّف ، وهذا ما يمكن عرضه من خلال القياس التالي :
المتوقَّف عليه أقدم من المتوقِّف
العلوم البديهيّة تتوقّف عليها العلوم النظريّة
العلوم البديهيّة أقدم من العلوم النظريّة
وقد « سمّيت النفس في تلك المرتبة بالعقل بالملكة لوجهين :
الأوّل منهما مبتنٍ على أن يكون المراد من الملكة هو الوجود مقابل العدم ،
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ص 306 .
( 2 ) درر الفوائد ، مصدر سابق : ج 2 ص 375
( 3 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ص 306 .