فمنشأُ ذبولِ البدنِ بعدَ سنِّ الوقفِ إلى أن يهرمَ ثمّ يعرضُ الموتُ ، هو تحوّلاتُ النفس بحسب مراتبِها وقربِها إلى النشأةِ الثانيةِ التي هي نشأةُ توحّدِها وانفرادِها عن هذا البدن الطبيعيِّ ، وانفصالِها عن هذه الدار واستقلالِها في الوجودِ ، وهذه الحالاتُ البدنيّةُ المشاهدةُ من الإنسان ، من الطفوليّةِ والشبابِ والشيبِ والهرمِ والموتِ ، كلُّها تابعةٌ لما بحذائِها من حالاتِ النفس في القوّةِ ، والفعلِ ، والشدّةِ ، والضعفِ على التعاكسِ ، فكلّما حصلتْ للنفس قوّةٌ وتحصّلٌ حصلَ للبدنِ وهنٌ وعجزٌ ، إلى أن تقومَ النفسُ بذاتِها ، ويهلك البدنُ ، فارتحالُها يوجبُ خرابَ البيتِ ، لا أنّ خرابَ البيتِ يوجبُ ارتحالَها ، فما قيلَ في الفُرْس نظماً :
جان قصد رحيل كرد گفتم كه مرو * گفتا چه كنم خانه فرو ميآيد « 1 »
إنّما يصدقُ في الموتِ الاختراميِّ لا الطبيعيِّ .
وبالجملةِ أكثرُ القوم لمّا لم يتفطّنوا في النفس بهذه الحركةِ الرجوعيّةِ ، وهي السفرُ إلى الله ، الذي أثبتناهُ في أكثر الموجوداتِ ، ذكروا وجوهاً غيرَ سديدةٍ في حكمةِ الموت ، وقد سبقَ أيضاً أنّ الذي بيّناهُ لا ينافي الشقاوةَ الثابتةَ لطائفةِ من النفوس وتعذّبَهم في الآخرةِ بالجحيم والنِّيران وغضبِ
هامش
( 1 ) وهو ما ترجمته بالمعنى شعراً من البحر الخفيف :قد نوى الروح فرقة . قلت : مهلًا * قال : أنّى ، والبيت أودى انهياراً