وعن حقيقة الأدران الحاصلة والأوساخ العارضة للمرآة القلبية بسبب التعلّقات الدنيوية أخبر الله تعالى بقوله :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
« 1 » وبقوله :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
« 2 » وبقوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ « 3 » وغير ذلك من الآيات :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
« 4 » « 5 » .
فمثل أهل النظر والاستدلال في تحصيل المعارف ، وأهل المكاشفة والتصفية في مشاهدة الحقائق ، كمثل أهل الروم والصين في صناعتهم للتصوير الذي حكاه الغزالي في إحياء العلوم عنهم ، وهو : « إنّ أهل الروم قاموا وتوجّهوا إلى سلطان الصين ودخلوا عليه وقالوا : نحن جئنا من الروم في دعوى مع أهل الصين في صناعتهم التي هم مشهورون بها ، أعني صنعة النقش والتصاوير .
فقال لهم السلطان : فكيف نعرف صنعتكم وصنعتهم ؟
فقال أهل الروم : عيّن لنا موضعين بحيث ما يطّلع أحد منّا على الآخر حتى نعمل صنعتنا ، فذاك الوقت أنت تحكم بيننا .
فعيّن لهم السلطان صفّة كبيرة ، وحال بينهما بستر مانع فصل كلّ واحد منهما عن الآخر . فاشتغل كلّ منهما بنقش حائط من حيطان الصفة ، فأهل الروم لمّا عرفوا مهارة أهل الصين وصناعتهم وتحقّقوا أنّهم ليسوا من
هامش
( 1 ) المطففين : 14 .
( 2 ) البقرة : 7 .
( 3 ) البقرة : 10 .
( 4 ) العنكبوت : 43 .
( 5 ) جامع الأسرار ، مصدر سابق : ص 535 .