قبل صدر المتألّهين كان القول الشائع عند الفلاسفة أنّ هذا الجسم بما هو جوهر له هذه الأبعاد الثلاثة فقط ، وليست له حركة ، والحركة إذا لم تكن موجودة في الجسم فليس للجسم أيضاً زمان مخصوص ، إلّا أنّ صدر المتألّهين بعد أن أثبت وقوع الحركة في الجوهر أثبت دخول الزمان كبُعد رابع في وجود الأجسام ، وبيان ذلك بالمثال :
الكتاب الموجود أمامي هو جسم لأنّ فيه أبعاداً ثلاثة ( الطول ،
العرض ، العمق ) وهو يشغل حجماً معيّناً وحيّزاً معيّناً ، وهنا قال صدر المتألّهين إنّه بالإضافة إلى وجود هذه الأبعاد الثلاثة في هذا الجسم فإنّه أيضاً متحرّك بحركة جوهريّة ، وجوهره ليس ثابتاً ، وإنّما في حركة دائمة .
وعلى هذا فالزمان داخل في حقيقة الأجسام وليس ظرفاً تقع فيه الأجسام ، وذلك من قبيل قولك : هذا الجسم مكانه في كذا ، فهنا تفترض أنّ المكان ظرف ، وهذا الجسم واقع في ذلك الظرف ، وقولك أيضاً : إنّ الجسم أو الموجود الكذائي وقع في الزمان الكذائي ، فما هو الزمان هنا ؟ أظرف خارج عن الجسم ، أم أنّه داخل في حقيقة الجسم ؟
قبل صدر المتألّهين كانوا يرون أنّ الزمان ظرف وهذا الجسم يقع في هذا الظرف من قبيل الماء الذي تضعه في الإناء ، فالزمان عندهم ظرف ، والأجسام التي تقع فيه مظروفات . أمّا صدر المتألّهين فقال : بأنّ الزمان حقيقته أنّه مقدار الحركة ، فزمان الجسم هو مقدار حركته الجوهريّة .
والشاهد على ذلك هو أنّ البعض يتصوّر ويسأل : لماذا لم أُخلق في الزمان السابق ؟ أو لماذا لم أُخلق في الزمان اللاحق ؟ وجواب ذلك : أنّه لو كان في الزمان السابق فهو ليس هو ، بل هو شيء آخر ؛ لأنّ الزمان جزء من
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية) — صفحة 195
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٩٥