مردّ ذلك إلى أنّ الإنسان مركّب من جوهرين نفس وبدن أو عقل وشهوة وغيرها من التعابير التي تشير كلّ واحدة منها إلى زاوية من زوايا وجوده ، فالروح من عالم الملكوت والبدن في عالم الملك ؛ قال تعالى : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) « 1 » .
والبعد البدني « المتمثّل بالشهوة » الذي يقوم بجذب الإنسان نحو الشهوات والميوعة والتعدّى والإسراف على النفس والمجتمع ، ومن ثمّ فالشهوة تدفع الإنسان نحو الرذيلة التي تزلّه وتذلّه ، وإن كانت الشهوة في حدّ نفسها كمالًا وليست رذيلة .
أمّا البعد الروحي فهو قوّة تدفعه إلى ترك الشهوات وتعديلها والجنوح إلى الأعمال الحكيمة والأفعال الفاضلة فتسعده وتصعد به إلى ارتقاء الدرجات العالية من الكمال ، فبواسطة العقل يمكن للإنسان أن يجعل الشهوات والغرائز تحت زعامته ، فكلّما كان العقل أقوى حكماً في أفعال الإنسان وسياساته وشؤونه ، كان أقرب إلى الكمال وأبعد من الرذائل والانحطاط .
ومن هنا نجد المباحث الأخلاقية تتحدّث عن صراع بين النفس والعقل أو تقول إنّ هناك صراعاً دائماً بين النفس والعقل في وجود الإنسان فتتغلب النفس تارة وينتصر العقل تارة أخرى ، فالإنسان يحمل في أغوار نفسه خصمين متناحرين لا ينتهى خصامهما ولا يهدأ تناحرهما .
ففي كلّ إنسان اتجاهان ، أحدهما يدفعه إلى الرقّى والسموّ ، والآخر يحثّه نحو الإخلاد إلى الأرض والغور في المادّيات والشهوات .
إذاً الإنسان واقف على مفترق طريقين إمّا طريق الكمال وإمّا طريق
هامش
( 1 ) الحجر : 29 .