إن قيل : أنتم قلتم : أنّ الحركة كيفما فرضت ، فإنّ المحرّك غير المتحرّك ، وفي المقام صار المتحرّك هو المحرّك ؛ لأنّ الجسم هو المتحرّك ، والمحرّك له هو الصورة النوعيّة لذلك الجسم .
فالجواب : إنّ فاعل الحركة هو الطبيعة وهو الصورة النوعيّة ، أمّا قابل الحركة فهو المادّة ، فالمتحرّك غير المحرّك وهذا المقدار كافٍ ، وإن كان وجود المتحرّك والمحرّك وجوداً واحداً ، لكنّ هذا الوجود له حيثيّتان ، وبإحدى الحيثيّتين يكون فاعلًا وبالحيثيّة الأخرى يكون قابلًا .
ولا يخفى أنّ المراد بالحيثيّتين هما الحيثيّتان الفلسفيّتان لا الحيثيّتان العلميّتان ، هذا في الحركة الطبيعيّة .
أمّا في الحركة القسريّة ، ففاعل الحركة هو الطبيعة أيضاً ، لكن ليس الطبيعة الأوليّة وإنّما الطبيعة الثانويّة ، أي الطبيعة المقسورة وليس القاسر ؛ لأنّ القاسر قد يعدم والحركة القسرّيّة موجودة ، كما لو رمى إنسان الحجر ومات مباشرة ، فحركة الحجر موجودة والقاسر قد انعدم .
لذا يكون الفاعل هو الطبيعة المقسورة .
أمّا في الحركة النفسانيّة كحركات الإنسان ، فالفاعل القريب والمباشر هو نفس الطبائع والقوى الواقعة تحت تسخير النفس وليس النفس ، فالنفس تسخّر الطبائع والقوى المختلفة لكي تحصل على كمالها .
وقد تقدّم في أقسام الفاعل أنّ من الفاعل ما يسمّى بالفاعل بالتسخير ، الذي هو وفعله لفاعل آخر ، والفاعل المسخَّر - بالفتح - هو الطبائع والقوى المسخّرة للنفس « 1 » .
هامش
( 1 ) هذا على مبنى المشّاء القائل بأنّ القوى شيءٌ والنفس شيءٌ آخر ، والنفس تسخّر هذه القوى ، وأمّا على مبنى : النفس في وحدتها كلّ القوى ، فهذه النظريّة غير تامّة .