عالم العقل علّة لعالم المادّة ؛ بالعلّيّة ؛ لأنّه أقوى وجوداً والعالم المادّي أضعف وجوداً ، كذلك يوجد تقدّم آخر لعالم التجرّد على عالم المادّة من جهة أنّ عالم التجرّد منفكٌّ عن عالم المادّة ، وكلٌّ منهما في مرتبة ، وأنّ عالم المادّة غير موجودٍ في مرتبة عالم التجرّد ؛ لأنّ عالم المادّة عاجزٌ عن الوصول إلى عالم التجرّد ، ويسمّى الظرف والوعاء لعالم التجرّد بالدهريّ .
وهذا التقدّم من أنواع التقدّم الذي لا يجتمع فيها المتقدّم والمتأخّر ، فالدهر ظرف الموجودات الثابتة عند قياسها بالموجودات المتغيّرة .
ومن هنا يتّضح : أنّ التقدّم بالدهر يشترك مع التقدّم بالعلّية من جهة ، ويختلف عنه في جهةٍ أخرى ، وجهة الاشتراك : أنّ المتقدّم بالدهر دائماً يكون علّةً للمتأخّر بالدهر ، وينحصر مثاله في تقدّم العلّة التامّة على معلولها ، وجهة الاختلاف : أنّ الملحوظ بالتقدّم بالدهر هي حيثيّة العلّة بما هي وجود ، وكذلك يلحظ معلولها بما هو وجود أيضاً ، فتكون مرتبة وجود العلّة متقدّمةً على مرتبة وجود المعلول ، فيطلق على السابق مرتبة وهو وجود العلّة : المتقدّم أو السابق بالدهر ، ويطلق على اللاحق بالمتأخّر : الدهر .
والتقدّم والتأخّر بالدهر شاملٌ لجميع العوالم ، فالعقل الأوّل علّةٌ للعقل الثاني ، والعقل الثاني معلولٌ للعقل الأوّل ، وبالنظر إلى مرتبة وجود العلّة والمعلول تكون مرتبة وجود العقل الأوّل متقدّمةً بالدهر على مرتبة وجود
شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث) — صفحة 199
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٩٩