ومن هنا يتّضح أنّ الأوّليات لها علّة ، لكنّ علّتها لا تخرج عن ذاتها ، بخلاف غيرها من القضايا التي لها علّة خارجة عن ذاتها .
وعليه ، نستطيع أن نعرّف الأوّليات بأنّها : القضايا التي لو تصوّر الإنسان الموضوع فيها جيّداً بحدوده ، كان الموضوع علّة موجبة لحمل المحمول عليه . مثلًا : لو تصوّرت النقيضين تصوّراً كاملًا بالشرائط التي تقدّم الكلام عنها مفصّلًا فيما سبق ، تحكم نفسك بعدم اجتماعهما .
وهنا نسأل : هل قولنا : ) النقيضان لا يجتمعان ( جزم هو بثبوت المحمول للموضوع فقط ، أم جزم باستحالة انفكاكه عنه أيضاً ؟
نقول : يستحيل أن لا تثبت . ولا شكّ أنّها غير قابلة للزوال . ولذا نقول : هذه القضية أوّلية أو يقينية حسب معناها في المنطق الأرسطي .
فالقضية الأوّلية هي : ما أفادت اليقين لا بسبب خارج عن ذاتها ، بل مجرّد تصوّر الموضوع والمحمول ، كافٍ لحمل المحمول على الموضوع وحصول اليقين الأرسطي بثبوته له .
هذا ويستفاد من المثال الذي ذكره المصنّف ( رحمه الله ) ) النقيضان لا يجتمعان ( وكذلك : ) الكلّ أعظم من الجزء ( و ) الوجود موجود ( . . . ونحو ذلك أنّ عدد اليقينيات كثير ، وسوف يتّضح لنا بعد تحقيق معنى الأوّليات أنّه لا توجد إلّا قضية أوّلية بديهية واحدة ، منحصرة في مصداق واحد وهو : ) اجتماع النقيضين محال ( كما بيّنّاه في أبحاثنا الفلسفية . أمّا قضية ارتفاع النقيضين ، فإنّ محالية الارتفاع بسبب محالية اجتماع النقيضين ، أي : أنّ ارتفاع النقيضين محال ، لأنّ اجتماعهما محال . وقد ذكرنا فيما تقدّم أنّ القضية الأوّلية : ليس فقط لا تحتاج إلى إقامة دليل عليها ، بل لا يمكن إقامته عليها ، وذلك لأنّ الاستدلال على أنّ اجتماع النقيضين محال - مثلًا - إنّما يكون دليلًا على إثبات المطلب إذا كان اجتماع النقيضين محالًا . أمّا إذا كان اجتماعهما ممكناً ،
شرح كتاب المنطق — صفحة 34
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٤