تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
وشروطُ الاتّصافِ تكونُ شروطاً لنفسِ الإرادةِ في المرحلةِ الثانية ، خلافاً لشروطِ الترتّبِ ، فإنّها شروطٌ للمرادِ لا للإرادة ، من دونِ فرقٍ في ذلك كُلِّه بينَ الإرادةِ التكوينيّةِ والتشريعيّة . فالإنسانُ لا يريدُ أنْ يشربَ الدواءَ إلّا إذا رأى نفسَه مريضاً ، ولا يريدُ من مأمورِه أنْ يشربَ الدواءَ إلّا إذا كانَ كذلك ، ولكنَّ إرادةَ شربِ الدواءِ للمريضِ أو لِمن يوجّهُه فعليّةٌ قبلَ أنْ يتناولَ الطعام . ولهذا فإنّ المريضَ قد يتناولُ الطعامَ لا لشيءٍ إلّا حرصاً منه على أنْ يشربَ الدّواءَ بعدَه وفقاً لتعليماتِ الطبيب ، وهذا يوضّح أنّ تناولَ الطعامِ ليسَ قيداً للإرادةِ بَل هو قيدٌ للمراد ، بمعنى أنّ الإرادةَ فعليّةٌ ومتعلّقةٌ بالحصّةِ الخاصّة ، وهي شربُ الدواءِ المقيّدِ بالطعام ، ومن أجلِ فعليَّتِها كانَت محرّكةً نحوَ إيجادِ القيدِ نفسِه . غيرَ أنّ الإرادةَ التي ذكرْنا أنّها مقيّدةٌ بشروطِ الاتّصافِ ليسَتْ منوطةً بالوجودِ الخارجيِّ لهذه الشروط ، بَل بوجودِها التقديريِّ اللحاظيّ ؛ لأنّ الإرادةَ معلولةٌ دائماً لإدراك المصلحةِ ولحاظِ ما له دخلٌ في اتّصافِ الفعلِ بها ، لا لواقعِ تلك المصلحةِ مباشرةً ، وما أكثرَ المصالحَ التي لا تؤثّر في إرادةِ الإنسانِ ؛ لعدمِ إدراكِه ولحاظِه لَها . فشروطُ الاتّصافِ بوجودِها الخارجيِّ دخيلةٌ في الملاك ، وبوجودِها التقديريِّ اللحاظيِّ دخيلةٌ في الإرادةِ ، فلا مصلحةَ في الدواءِ إلّا إذا كانَ الإنسانُ مريضاً حقّاً ، ولا إرادةَ للدواءِ إلّا إذا لاحظَ الإنسانُ المرضَ وافترضَه في نفسِه أو فيمَن يَتولّى توجيهَه . ونفسُ الفارق بين شروطِ الاتّصافِ وشروطِ الترتّبِ ينعكسُ على المرحلة الثالثة ؛ وهي مرحلةُ جعل الحكم ، فقد علمنا سابقاً أنّ جعلَ الحكم
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 261 | السيد كمال الحيدري