كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ « 1 » ، وذلك محاولة منه لإيصال المعارف القرآنية العالية والعميقة - التي جاءت من خلال البيانات القرآنية - إلى مختلف طبقات الناس من خلال الأمثال المضروبة لهم ، لأنّ الهداية المتوخّاة من القرآن لا تختصّ بطائفة دون أُخرى ، بل تعمّ الجميع وتشمل الطبقات عامّة ، قال الطباطبائي في ذيل قوله تعالى وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 2 » : « إشارة إلى أنّ المثل المضروب تحته طورٌ من العلم ، وإنّما اختير المثل لكونه أسهل الطرق لتبيين الحقائق والدقائق ويشترك فيه العالم والعامّي فيأخذ كلٌّ ما قُسم له » « 3 » .
تأسيساً على ذلك قلنا في بحث الإعجاز أنّ التحدّي الذي ذكره القرآن في قوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً « 4 » لم يقتصر على طبقة معيّنة ، بل شمل جميع الناس بمختلف مستوياتهم « 5 » .
وقال الرازي في ذيل قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً « 6 » « المقصود من ضرب الأمثال أنّها تؤثّر في القلوب ما لا يؤثّره وصف الشيء في نفسه ، وذلك لأنّ الغرض من المثل تشبيه الخفيّ بالجليّ ،
هامش
( 1 ) الزمر : 27 .
( 2 ) النور : 35 .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 15 ص 125 .
( 4 ) الإسراء : 88 .
( 5 ) الإعجاز بين النظرية والتطبيق ، محاضرات السيّد كمال الحيدري ، بقلم : محمود نعمة الجياشي ، دار فراقد ، الطبعة الأُولى ، 1425 ه - : ص 155 .
( 6 ) البقرة : 17 .