بمنزلة الرحمة السماوية والمطر النازل من السحاب على ساحة الأرض ، خال في نفسه عن الصور والأقدار ، وإنّما يتقدّر من ناحية الأشياء أنفسها كماء المطر الذي يحتمل من القدر والصورة ما يطرأ عليه من ناحية قوالب الأودية المختلفة في الأقدار والصور ، فإنّما تنال الأشياء من العطية الإلهية بقدر قابليّتها واستعداداتها وتختلف باختلاف الاستعدادات والظروف والأوعية .
هذا أصلٌ عظيم يدلّ عليه أو يلوّح إليه آيات كثيرة من كلامه تعالى كقوله : وَإنْ مِنْ شَيْء إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم « 1 » ومن الدليل عليه جميع آيات القدر .
ثمّ إنّ هذه الأمور المسمّاة بالأقدار وإن كانت خارجة عن الإفاضة السماوية مقدّرة لها ، لكنّها غير خارجة عن ملك الله سبحانه وسلطانه ولا واقعة من غير إذنه ، وقد قال تعالى : وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ « 2 » وقال : بَلْ لِلّهِ الأمْرُ جَمِيعاً « 3 » وبانضمام هذه الآيات إلى الآيات السابقة يظهر أصل آخر أدقّ معنىً وأوسع مصداقاً .
إنّ تفرّق هذه الرحمة السماوية في أودية العالم وتقدّرها بالأقدار المقارنة لها ، لا ينفكّ عن أخباث وفضولات تعلوها وتظهر منها ، غير أنّها باطلة أي زائلة غير ثابتة ، بخلاف تلك الرحمة النازلة المتقدّرة بالأقدار فإنّها باقية ثابتة ، أي حقّة ، وعند ذلك ينقسم ما في
هامش
( 1 ) الحجر : 21 .
( 2 ) هود : 123 .
( 3 ) الرعد : 31 .