تشديد القرآن في هذا الباب وإصراره البالغ على النهي عن اتّباع المتشابه وابتغاء الفتنة والتأويل والإلحاد في آيات الله والقول فيها بغير علم واتّباع خطوات الشيطان ، فإنّ من دأب القرآن أنّه يبالغ في التشديد في موارد سينثلم - من جهتها - ركنٌ من أركان الدِّين ، فتنهدم به بنيته ، كالتشديد الواقع في تولّي الكفّار ومودّة ذوي القربى وقرار أزواج النبي ومعاملة الرِّبا واتّحاد الكلمة في الدِّين وغير ذلك » « 1 » .
لكن قبل الإجابة على التساؤل المتقدِّم في بيان السبب الذي أدّى بالقرآن أن يكون مشتملًا على المتشابهات ، لابدّ من الإشارة - ولو إجمالًا - إلى ما هو المراد من التشابه والمتشابه في القرآن .
من الواضح أنّه لا يمكن أن يُراد به التشابه بحسب المفهوم ، وذلك لنكتتين :
الأولى : تصريح القرآن نفسه بأنّ آياته إنّما نزلت بياناً وتبياناً وهدىً ونوراً بلسان عربيٍّ مبين . وهذا لا ينسجم مع فرض التشابه المفهومي والإجمال . قال الطبري : « إنّ جميع ما أنزل الله عزّ وجلّ من آي القرآن على رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، فإنّما أنزله عليه بياناً له ولأُمّته وهُدىً للعالمين ، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه ، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة ، ثمّ لا يكون لهم إلى علم تأويله ( فهمه ) سبيل » « 2 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 3 ص 41 .
( 2 ) تفسير الطبري : ج 3 ص 175 .