أخرى : هل عندنا موجود واحد واجد لكل هذه المراتب على نحو التشكيك أم عندنا موجود واحد له مظاهر متعدّدة بحسب ما فيه من كمالات ، كالصادر الأوّل الذي هو موجود واحد ، لكمالاته مظاهر متعددة كنشأة العقل والمثال والمادّة ؟
الوجهان
الأوّل : إنّنا نجد أنّنا نحكم على مرئي بمطعوم مثلًا ، أو جزئي بكلّي كقولنا : زيد إنسان ، مع أنّ مدرِك زيد غير مدرِك إنسان ، فالأوّل تدركه القوى الجزئية المرتبطة بالحواس ، أما الثاني فتدركه القوة الكلّية العاقلة ، ومن البديهي
أنّ الحاكم بين شيئين لابدّ من حضورهما لديه وعلمه بهما وإلّا فكيف يحكم عاقلٌ بمجهول على مجهول ، فالمدرَك الجزئي حاضر لدى النفس كما المدرَك الكلّي أيضاً ، وإلّا لما صحّ أن تحكم النفس على الجزئي بالكلّية .
وكذلك فإنّنا نجد أنّنا نتصرّف في الصور الخيالية والمعاني الكلّية منها والجزئية تصرّفات عديدة كالتركيب والتفصيل ، فلابدّ من حضور هذه الأمور المتصرَّف بها لدى المتصرِّف وإلّا لما كان متصرِّفاً فيها كما هو الفرض . ومحصّل هذا الوجه : إنّ فينا قوّة واحدة تدرك شتّى ألوان المدرَكات وتتصرّف فيها وهي الأصل المحفوظ في كلّ القوى .
ويمكن عرض هذا الوجه على هيئة قياس من الشكل الأوّل هكذا :
الحاكم بين شيئين ، حاضران له .
النفس ، حاكم بين المرئي والمطعوم ، مثلًا .
إذن : النفس حاضرٌ لها المرئي والمطعوم .
بحوث في علم النفس الفلسفي — صفحة 183
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٨٣