فيكون المدرِك الذي يرى الملكوت المجرّد أمراً مجرّداً كذلك ؛ إذ لا معنى لإدراك أمر مادّي لأمر غير مادّي سيّما وإنّ العلم والإدراك هو حضور المدرَك للمدرِك ، إذن فالرؤية للملكوت ليست رؤية مادّية وإنما هي رؤية تتناسب مع نشأة المرئي ، ورؤية الملكوت هذه ليست حكراً على الأنبياء كإبراهيم عليه السلام بل الطريق مفتوح أمام الكلّ ، غير أنّ الأنبياء والأوصياء عليهم السلام - سيّما النبي الخاتم صلى الله عليه وآله - قد بلغوا من هذه الرؤية مبلغاً لا يصل إليه أحدٌ غيرهم .
الشاهد الثاني : قوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . . .
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ . . .
« 1 » :
محلّ الشاهد قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
فإنّ التعبير بالإنشاء بدل الخلق
يدلّ على حدوث أمر حديث غير ما كان في العمليات التي تواردت عليه سابقاً ، حيث إنّ مورد العمليات من خلق وجعل وإنشاء هو شيء واحد على ما يعطيه السياق وما يُفهم منه ، والذي يؤكد ذلك أكثر هو وصف هذا المخلوق المنشأ إنشاءً بالآخر « أي بُدِّل وهو مادة ميّتة جاهلة عاجزة موجوداً ذا حياة وعلم وقدرة . . . فهو تلك المادّة السابقة فإنّها التي صارت إنساناً ، وليس بها إذ لا يشاركها في ذات ولا صفات ، وإنما له نوع اتّحاد وتعلّق بها يستعملها في سبيل مقاصدها استعمال ذي الآلة للآلة كالكاتب للقلم » « 2 » .
هامش
( 1 ) المؤمنون : 14 12 .
( 2 ) الميزان : ج 15 ، ص 21 .