نفسه واتّهمته ولم تلبث دون أن اعترفت عند النسوة ببراءته ، ثمّ أدخلوه السجن فكان ذلك سبباً لقربه عند الملك . . ولم يزل سبحانه يحوّله من حال إلى حال حتّى آتاه الحكم والملك واجتباه وعلّمه من تأويل الأحاديث وأتمّ نعمته عليه والله غالب على أمره .
كانت هذه القصّة « أحسن » بما فيها من إظهار مكنونات عجائب معادن الأنبياء التي تتشعشع بجواهر النور ، كلّما مسّتها الحوادث زادتها إشعاعاً وبريقاً .
لقد اجتمع عشرة رجال على طفل صغير ليلقوه في غيابة الجبّ « وأجمعوا » وألقوه فعلًا بعد مؤامرة طافحة بالكيد والخديعة والغدر ! ! ولكن ماذا كان ردّ فعله عليه السلام عندما واجهه إخوته في مصر وهو على عرش الملك والسلطة ! ؟ هل فكّر بالانتقام وأخذ الثأر ؟ كلّا . . بل كان جوابه المنبعث من مكنون باطنه الممتلئ بنور النبوّة والجمال الإلهى : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ( . . نعم أمان وعفو وصفح جميل . . بل قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( « 1 » !
هكذا تقف الإنسانية إجلالًا لهذا المشهد المتعالى والذي يمثّل الإنسانية في طورها الأعلى الذي ليس فيه إلّا الخير ، والخير فقط .
تحاول هذه الدراسة جاهدة أن تعرض هذه القصّة العظيمة والملحمة الإلهية الخالدة متنوّرة بالمنهج القرآني الذي تحدّث طويلًا عن مقامات الأنبياء والمرسلين ، لتسلّط الضوء على مكنونات قصّة يوسف وما فيها من عبر ودروس عالية تقع في طريق التكامل الإنسانى نحو
هامش
( 1 ) يوسف : 98 .