فالقصص القرآني ينفرد بميزة الواقعية التي تعانق وجدان الإنسان وتنفذ إلى صميم قلبه آخذةً بيده نحو أعماق الواقع الذي يمثّل الإنسان أحد أجزائه بل مركزه الذي يدور حوله كلّ شئ ، بدلًا من التحليق به في عالم الأوهام والتمنّيات التي ترمى به في وادى الخيال السحيق .
لقد كانت القصص الواقعية التي أفرزتها المسيرة الإنسانية الطويلة ذات أثر كبير على صناعة الجيل الإنسانى عبر عصور التأريخ المترامية ، بل يذهب بعض كبار الأدب العالمي إلى أنّ التأريخ العام أو تأريخ ما أنجزه الإنسان هو في صميمه تأريخ عظماء الرجال الذين عملوا في هذه الدنيا ، وقد كان هؤلاء العظماء هم قادة الناس وهم المبدعون والأسوات والقدوات ، بل هم بالمعنى الواسع مبتكرو كلّ ما حاول السواد الأعظم من الناس أن يعملوه ، وكلّ ما نراه في هذه الدنيا قائماً مكتملًا هو بحذافيره النتيجة المادّية الخارجية والتحقيق العملي والتجسيم للأفكار التي استقرّت في نفوس هؤلاء العظماء الذين أُرسلوا إلى هذه الدنيا . وهؤلاء جميعاً يحملون بين جنوبهم ، هذا السرّ الغامض ، سرّ العظمة الذي تنزّل عليهم وأودع في قلوبهم ، فليسوا هم من مخلوقات الظروف وصنع الحوادث وإنّما هم الذين يخلقون
الظروف ويصنعون الحوادث ويملون إرادتهم ويحقّقون مثلهم العليا « 1 » .
ومن ثمّة نفهم أنّ القصص القرآني في موضوعه نسيج من الصدق
هامش
( 1 ) عن كتاب الأبطال ، للكاتب والأديب الإنجليزى توماس كارليل ، نقلًا عن : موسوعة تراث الإنسانية ، المؤسّسة المصرية العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر ، ج 1 ، ص 22 .