في مدلولها . وإن قلت : « المطر ينزل في الصيف » فهي جملة لها معنىً وكاذبة في مدلولها . وإن قلت إن شيئاً لا يمكن أن يُرى أو يحسّ به ينزل في ليلة القدر فهذه جملة ليس لها معنىً فضلًا عن أن تكون صادقة أو كاذبة ، إذ لا يمكن التأكّد من صدق المدلول وكذبه بالحسّ والتجربة ، فهي تماماً كما تقول ديز ( كلمة مهملة تقال عادة كمثال للكلمة الفارغة من المعنى ) ينزل في ليلة القدر ، فكما لا معنى لهذه الجملة كذلك لا معنى لتلك الجملة .
وعلى هذا الأساس لو قلت « الله موجود » لكان بمثابة أن تقول ديز موجود ، فكما لا معنى لهذه الجملة كذلك تلك ، لأنّ وجود الله تعالى لا يمكن التعرّف عليه بالحسّ والتجربة .
وقد عرفنا سابقاً الإشكالات التي ترد على هذا الاتجاه في المنطق التجريبي ،
وذكرنا أن هذه النزعة المنطقية تواجه تناقضاً بسبب أن قولها هذا وما فيه من تعميم هو نفسه شيء لا يمكن التعرف عليه بالحس والتجربة المباشرة ، فهو كلام فارغ من المعنى بحكم ما يحمل من قرار . فهذه النزعة المنطقية التي تدّعي أن كلّ جملة لا يتاح للحسّ والتجربة اختبار مدلولها فهي فارغة من المعنى تُصدر بهذا الادّعاء تعميماً ، وكلّ تعميم فهو يتجاوز نطاق الحسّ لأنّ الحسّ لا يقع إلا على حالات جزئية محدودة . وهكذا تنتهي هذه النزعة إلى تناقض مع نفسها إضافة إلى تناقضها مع كلّ التعميمات العلمية التي يفسّر بها العلماء ظواهر الكون تفسيراً شاملًا ، لأنّ التعميم أيّ تعميم لا يمكن الإحساس به مباشرة وإنما يُستنَتج ويُستدلّ عليه بدلالة ظواهر حسّية محدودة .
ومن حسن الحظ أن العلم لم يعبأ في مسيرته وتطوّره المستمرّ بهذه
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 364
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٦٤