ولما لم تكن القضية من الأوليات العقلية ، فالإنسان سوف يتردّد بطبيعته في إصدار الحكم والإذعان بحدوث المادّة ويلجأ حينئذ إلى معارفه السابقة ليجد فيها ما يمكنه أن يركّز عليه حكمه ويجعله واسطة للتعرّف على حدوث المادّة . وتبدأ بذلك عملية التفكير باستعراض المعلومات السابقة . ولنفترض أنَّ من جملة تلك الحقائق التي كان يعرفها المفكر سلفاً هي الحركة الجوهرية التي تقرّر أنّ المادّة حركة مستمرّة وتجدد دائم « 1 » ، فإن
هامش
( 1 ) إنَّ الحركات التي يعرفها عامّة الناس هي الحركات المكانية والوضعية كالحركة الانتقالية للأرض حول الشمس وحركتها الوضعية حول محورها . أما الفلاسفة فقد وسّعوا مفهوم الحركة ليشمل أيّ لون من التغيير التدريجي وأثبتوا نوعين آخرين للحركة هما :
الحركة الكيفية : مثل التغيير التدريجي للحالات والكيفيات النفسانية ولون الأجسام وشكلها .
الحركة الكميّة : مثل نموّ الشجرة تدريجيّاً وزيادة مقدارها .
وهكذا قسّموا الحركة بحسب المقولة التي تُنسب إليها إلى أربعة أقسام تُنسب كلّها إلى المقولات العَرَضية وهي ، الحركة المكانية ، الحركة الوضعية ، الحركة الكيفية ، الحركة الكمية .
والفلاسفة عموماً أعمّ من المشائين والإشراقيين كانوا يعدّون الحركة مختصّة بالأعراض ، ولم يكتفوا بعدم إثبات الحركة في الجوهر وإنما كانوا يرونها أمراً مستحيلًا ، ولم نجد بين فلاسفة اليونان القديمة من يتناول بصراحة ، الحركة في الجوهر ويثبتها . وقد نقل كلام عن هراقليطوس وحده يمكن تطبيقه على الحركة الجوهرية ، والحدّ الأقصى هو أنه يمكن أيضاً نسبة الميل للحركة الجوهرية إلى علماء اللاهوت المسيحيين القائلين بالخلق المستمرّ الذي يتعلّق دائماً بأشياء جديدة . أما الذي تناول هذه المسألة بصراحة وأصرّ على إثباتها فهو الفيلسوف الإسلامي صدر المتألّهين الشيرازي ، ورتّب عليها ثمرات ونتائج مهمّة في الفلسفة والكلام والأخلاق .
والحركة الجوهرية هي في الواقع التجدّد المستمرّ لوجود الجوهر ولا علاقة لها