قطعة مغناطيسية واحدة تجذب الحديد لم يكفنا ذلك لكي نؤمن بأنّ كلّ مغناطيس يجذب الحديد ما لم نكرّر التجربة ونستوعب عدداً أكبر من الأمثلة والنماذج .
ولكن الأمر بالنسبة إلى القضايا الرياضية والمنطقية يختلف اختلافاً كبيراً ، فإن الإنسان في اللحظة التي يستطيع فيها أن يجمع خمسة كتب وخمسة كتب أخرى ، ويعرف أن مجموعها عشرة ، يمكنه أن يحكم بأنّ كلّ خمستين تساوي عشرة ، سواء كانت الأشياء المعدودة كتباً أو أشياء أخرى ، ولا يزداد اليقين بهذه الحقيقة ترسيخاً بتكرار الأمثلة وجمع النماذج العديدة .
بتعبير آخر : إن اليقين بهذه الحقيقة الرياضية يصل منذ اللحظة الأولى من إدراكها إلى درجة كبيرة لا يمكن تجاوزها ، بينما نجد أنَّ اعتقادنا بالقضايا الطبيعية يزداد باستمرار كلّما تظافرت التجارب وأكّدت باستمرار صدق القضية وموضوعيتها .
* إنَّ قضايا العلوم الطبيعية وإن
* كانت تستبطن تعميماً وتجاوزاً عن حدود التجربة ، ولكن هذا التجاوز المستبطن لا يتعدّى حدود عالم التجربة وإن تعدّى نطاقها الخاصّ . فنحن حين نقرّر أن الماء يغلي في درجة معيّنة من الحرارة نتجاوز المياه التي وقعت في نطاق تجاربنا الخاصّة إلى سائر المياه في هذا الكون . ولكننا إذا اجترنا عالم التجربة وتصوّرنا عالماً آخر غير هذا العالم الذي نعيش فيه ، فمن الممكن أن نتصوّر الماء في ذلك العالم وهو لا يغلي عند تلك الدرجة المعيّنة من الحرارة ، ولا نجد مسوّغاً لتعميم القضية القائلة بأنّ الماء يغلي عند درجة معيّنة على ذلك العالم الآخر . وهذا يعني أن التعميم في تلك القضية إنما
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 119
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٩