أنفسهم ، بل لا يخلو عن الاختلاف في ما نقل عن الواحد منهم على ما لا يخفى على المتتبّع المتأمّل في أخبارهم ، والقول بأنّ الواجب حينئذ أن يختار أحد الأقوال المختلفة المنقولة عن الصحابة في الآية ، ويجتنب عن خرق إجماعهم والخروج عن جماعتهم ، مردود بأنّهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطريق ولم
يلتزموا هذا المنهج ولم يبالوا بالخلاف فيما بينهم ، فكيف يجب على غيرهم أن يقفوا على ما قالوا ولم يختصّوا بحجّية قولهم على غيرهم . لذا
قال بعضهم : « كيف وقد اتّفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة » .
على أنّ هذا المنهج وهو الاقتصار على ما نقل من مفسّرى صدر الإسلام من الصحابة والتابعين في معاني الآيات القرآنيّة يوجب توقّف العلم في سيره ، وبطلان البحث في أثره كما هو مشهود في ما بأيدينا من كلمات الأوائل والكتب المؤلَّفة في التفسير في القرون الأولى من الإسلام ، ولم ينقل منهم في التفسير إلّا معانٍ ساذجة بسيطة خالية عن تعمّق البحث وتدقيق النظر ، فأين ما يشير إليه قوله تعالى : (
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَىْءٍ ) النحل ، 89 من دقائق المعارف في القرآن ؟
لذا لم يُنقل عن طبقة الصحابة بحث حقيقىّ عن مثل العرش والكرسي والقلم واللوح وسائر الحقائق القرآنية وحتّى أُصول المعارف كمسائل التوحيد والمعاد والنبوّة والإمامة وما يلحق بها ، بل كانوا لا يتعدّون الظواهر الدينيّة ويقفون عليها ، وعلى ذلك جرى التابعون وقدماء المفسّرين حتّى نُقل عن سفيان بن عيينة أنّه قال : « كلّ ما وصف الله من نفسه في كتابه ، فتفسيره تلاوته والسكوت عليه » « 1 » .
وعن الإمام مالك أنّ رجلًا قال له : يا أبا عبد الله (
استوى على العرش
)
هامش
( 1 ) الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، للإمام عبد الرحمن جلال الدِّين السيوطي ، دار الفكر ، الطبعة الأُولى ، 1403 ه : ج 3 ص 92 .