أمّا هو حقيقة هذا العلم ، وأنّه أيُنال بالعقل والفكر ، أم هو طورٌ وراء
طور الإدراك العقلي ، فسيأتي بيانه في ذيل قوله تعالى : ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) ( الرعد : 17 ) ، وقوله : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ) ( الزخرف : 4 3 ) .
3 : الصراط المستقيم واحد والسبيل متعدّد
كرّر تعالى في كلامه تعالى ذكر الصراط والسبيل ، ويمكن أن يلحظ أنّ هناك فروقاً بينهما هي :
الأوّل : إنّ الصراط لم يذكر إلَّا مفرداً ، بخلاف السبيل الذي جاء بلفظ
المفرد والجمع ؛ قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) ( العنكبوت : 69 ) وقال : ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) ( المائدة : 16 15 ) .
الثاني : إنّه لم ينسب الصراط إلَّا إلى نفسه عدا ما ورد في قوله : ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ( الفاتحة : 7 )
بخلاف السبيل فإنّه نسب إلى نفسه وإلى غيره ؛ قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام : ( قُلْ هذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى ) ( يوسف : 108 ) ، وقال : ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ
مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ) ( لقمان : 15 ) ، وقال : ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) ( النساء : 115 ) .
الثالث : لم يرد في أىّ من الآيات أنّ الله تعالى على السبيل ، بخلاف الصراط فإنّه قال : ( إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( هود : 56 ) .
بهذا يتّضح أنّ السبيل غير الصراط المستقيم ، ويترتّب على ذلك :