والحاصل : فكما أنّ النبي رابط وواسطة بين الناس وبين ربّهم في أخذ الفيوضات الظاهريّة وهى الشرائع الإلهيّة التي تنزل بالوحي على النبىّ ، وتنشر منه وبتوسّطه إلى الناس وفيهم ، فيكون دليلًا يهدى الناس إلى الاعتقادات الحقّة والأعمال الصالحة كذا الإمام فإنّه الرابط بين الناس وبين ربّهم في إعطاء الفيوضات الباطنيّة الملكوتيّة وأخذها ، فهو
دليل هادٍ للنفوس إلى مقاماتها ودرجاتها المعنويّة .
البحث الرابع : الهداية بالذات والهداية بالغير
أشار القرآن إلى أنّ الله جعل الهداية حقّاً على نفسه ؛ قال تعالى : ( إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ) ( الليل : 12 ) ، حيث أفادت أنّ هدى الناس مما قضى سبحانه به وأوجبه
على نفسه بمقتضى الحكمة ؛ ذلك أنّه خلقهم ليعبدوه كما قال : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ( الذاريات : 56 ) ، فجعل عبادتهم غاية لخلقهم ، وجعلها صراطاً مستقيماً إليه كما قال : ( إِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) ( آل عمران : 51 ) ، وقال : ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ ) ( الشورى : 53 52 ) ، وقضى على نفسه أن يبيّن لهم سبيله ويهديهم إليه ، بمعنى إراءة الطريق سواء سلكوها أم تركوها كما قال : ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ) ( النحل : 9 ) ، وقال : ( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ
) ( الأحزاب : 4 ) ، وقال : ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) ( الإنسان : 3 ) .
من هنا قد يقال : إنّ الهداية إذا كانت منه تعالى وهو الهادي فكيف يمكن أن نفهم وجه إسناد الهداية إلى غيره أيضاً كما في قوله : ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( الشورى : 52 ) ، وقوله : ( قُلْ هذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى )
( يوسف : 108 ) ، وقوله حكاية عن مؤمن آل فرعون :