النوع الأول : الهداية التكوينيّة العامّة
هي التي تتعلّق بالأمور التكوينيّة ، كهدايته كلّ نوع من أنواع المخلوقات إلى كماله الذي خلق لأجله وإلى أفعاله التي كتبت له ، وهداية كلّ شخص من أشخاص الخليقة إلى الأمر المقدّر له والأجل المضروب لوجوده ؛ قال تعالى : ( الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) ( طه : 50 ) ، وقد أطلق الهداية من حيث المهدىّ والمهدىّ إليه ، ولم يسبق في الكلام إلّا الشئ الذي أُعطى خلقه ، فالظاهر أنّ المراد هداية كلّ شئ المذكور في الآية إلى مطلوبه ، ومطلوبه هو الغاية التي يرتبط بها وجوده وينتهى إليها ، والمطلوب هو مطلوبه من جهة خلْقه الذي أعطيه ، ومعنى هدايته له إليها تسييره نحوها ، كلّ ذلك
بمناسبة البعض للبعض .
فيؤول المعنى إلى إلقائه الرابطة بين كلّ شئ بما جُهّز به في وجوده من القوى والآلات وبين آثاره التي تنتهى به إلى غاية وجوده . فالجنين من الإنسان مثلًا وهو نطفة مصوّرة بصورته ، مجهّز في نفسه بقوى وأعضاء
تناسب من الأفعال والآثار ما ينتهى به إلى الإنسان الكامل في نفسه وبدنه ، فقد أعطيت النطفة الإنسانيّة بما لها من الاستعداد خلْقها الذي يخصّها وهو الوجود الخاصّ بالإنسان ، ثمّ هُديت وسُيّرت بما جهّزت به
من القوى والأعضاء نحو مطلوبها ، وهو غاية الوجود الإنسانى والكمال الأخير الذي يختصّ به هذا النوع .
من هنا يظهر معنى عطف قوله ( هَدَى ) على قوله ( أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ) ب ( ثُمَّ ) ، وأنّ المراد التأخّر الرتبى ، فإنّ سير الشئ وحركته بعد وجوده رتبة ، وهذا التأخّر في الموجودات الجسمانيّة تدريجىّ زمانىّ بنحو .
وهذه الهداية لا مقابل لها كالرحمة العامّة التي لا مقابل لها ، وبهذا يظهر أنّ هذه الهداية غير الهداية الخاصّة التي تقابل الإضلال ، فإنّ الله سبحانه نفاها