الآيات التي تجعل العبادة دائرة مدار الربوبيّة .
وبهذا يتّضح السبب في أنّ القرآن يعدّ الناس عبيداً ، والله تعالى مولاهم الحقّ ، بل تعدّى ذلك وأخذ كلّ من في السماوات والأرض موسوماً بسمة العبوديّة ؛ قال تعالى : ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِى الرَّحْمنِ عَبْداً ) ( مريم : 93 ) .
ولا ريب أنّ اعتبار العبوديّة لله سبحانه أمرٌ مأخوذ بالتحليل ( وهو تحليل معنى العبوديّة إلى أجزائها الأصليّة ) ثمّ الحكم بثبوت حقيقتها بعد طرح خصوصيّاتها الزائدة الطارئة على أصل المعنى في أُولى العقل من الخليقة ، فهناك أفراد من الناس يسمّى الواحد منهم عبداً ، ولا يسمّى به إلّا لأنّ نفسه مملوكة لغيره مِلْكاً يسوغ لذلك الغير الذي هو مالكه
ومولاه أن يتصرّف فيه كيف يشاء وبما أراد ، ويسلب عن العبد استقلال الإرادة مطلقاً .
والقائل في هذا المعنى يوجب الحكم بأنّ الإنسان وإن شئت وسّعت وقلت : كلّ ذي شعور وإرادة عبدٌ لله سبحانه بحقيقة معنى العبوديّة ، فإنّ الله سبحانه مالك كلّ ما يسمّى شيئاً بحقيقة معنى الملك ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) ( النور : 42 ) فلا يملك شئ من نفسه ولا من غيره شيئاً من ضرٍّ ولا نفع ولا موت ولا حياة ولا نشور ، ولا يستقلّ أمر في الوجود بذات ولا وصف ولا فعل ، اللَّهُمَّ إلّا ما ملّكه الله ذلك تمليكاً لا يبطل
بذلك ملكه تعالى ، لا ينتقل به الملك عنه إلى غيره ، بل هو المالك لما ملّكهم ، والقادر ما عليه أقدرهم ، وهو على كلّ شئ قدير ، وبكلّ شئ محيط .
وهذه السلطنة الحقيقيّة والملك الواقعي هي المنشأ لوجوب انقيادهم لما يريده منهم بإرادته التشريعيّة ، وما يشرّع لهم من شرائع الدِّين وقوانين الشريعة بما يصلح به أمرهم وتحاز به سعادتهم في الدارين .
والحاصل : أنّه تعالى هو المالك لهم ملكاً تكوينيّاً ، يكونون به عبيده
اللباب في تفسير الكتاب — صفحة 311
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣١١