بعد أن مجّد الله تعالى نفسه بالآيات المتقدِّمة ، لقّن عباده أن يتلوا هذه
الآية الكريمة وأن يعترفوا بمدلولها ومغزاها ، بأن لا يعبدوا إلّا الله ولا يستعينوا إلّا به ، لأنّ ما سواه سبحانه من الموجودات فقير في ذاته عاجز في نفسه ، ومن هذا شأنه لا يستحقّ أن يُعبد أو يستعان . والممكنات كلّها وإن اختلفت مراتبها بالكمال والنقص تشترك في صفة العجز اللازمة للإمكان ، وفى أنّ جميعها تحت حكم الله وإرادته وتدبيره : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ( الأعراف : 54 ) .
من هنا يقع الحديث في مفردات هذه الآية : العبادة ، الاستعانة ، إيّاك .
( 11 ) المفردة الأُولى : العبادة
في هذه المفردة عدّة أبحاث :
البحث الأوّل : العبادة لغةً
ذكرت في كتب اللغة معانٍ عديدة للعبادة :
قال ابن فارس : « العين والباء والدال أصلان صحيحان ، كأنّهما
متضادّان . والأوّل من ذينك الأصلين يدلّ على لين وذُلّ ، والآخر على شدّة وغلظ .
فالأوّل : العَبد ، وهو المملوك ، والجماعة العبيد ، وثلاثة أعبُد وهم العِباد .
قال الخليل : إلّا أنّ العامّة اجتمعوا على تفرقة ما بين عباد الله والعبيد المملوكين ، ولم نسمعهم يشتقّون منه فعلًا ، ولو اشتقّ لقيل : عَبُد ، أي صار عبداً وأقرّ بالعبودة ، ولكنّه أُميت الفعل فلم يستعمل .
قال : وأمّا عَبَد يعبُد عبادة فلا يقال إلّا لمن يعبُد الله تعالى ، يقال منه
عَبَد