الوجه الثاني : إنّ الرحمن الرحيم هما اسمان مشتقّان من الرحمة وهى النعمة التي يستحقّ بها العبادة ، وهما موضوعان للمبالغة ، وفى « رحمن » خاصّة مبالغة يختصّ الله بها . وقيل : إنّ تلك المزيّة من حيث فعل النعمة التي يستحقّ بها العبادة لا يشاركه في هذا المعنى سواه . وقيل في معنى الرحيم : لا يكلّف عباده جميع ما يطيقونه ، فإنّ المَلك لا يوصف بأنّه رحيم إذا كلّف عبيده جميع ما يطيقونه .
وإنّما قدّم « الرحمن » على « الرحيم » لأنّ وصفه بالرحمن بمنزلة اسم العلم من حيث لا يوصف به إلّا الله تعالى ، فصار بذلك كاسم العلم
في أنّه يجب تقديمه على صفته .
الوجه الثالث : إنّ الرحمة الرحمانيّة ، عبارة عن إفاضة الوجود على
الأشياء وإبقائها وإكمالها بالكمالات اللائقة بفطرتها ، وهذا عامّ لجميع الأشياء دنيويّة كانت أو أخرويّة ، أناسي كانت أو غيرها ، ولذلك قال : ( الرحمن على العرش استوى ) ( طه : 5 ) حيث أشارت إلى أنّ مقام الاستواء على العرش الذي هو إحاطة ملكه بكلّ شئ وانبساط تدبيره على الأشياء ، سماويّها وأرضيّها ،
جليلها ودقيقها ، خطيرها ويسيرها إنّما هو من آثار مقام الرحمة الرحمانيّة .
بخلاف الرحمة الرحيميّة فإنّها مختصّة بالإنسان ومن كان مثله سالكاً إلى الرحمن ، وبحال كونه على رضاه . وبتعبير آخر : إفاضة الكمالات الاختياريّة المرضية على المختارين من الإنس والجنّ .
وهناك جملة من الروايات تثبت هذا المعنى :
عن عبد الله بن سنان قال : سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام عن ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) فقال :
« الله : إله كلّ شئ ، الرحمن : بجميع خلقه ، والرحيم : بالمؤمنين خاصّة
» « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير الصافي ، الكاشاني : ج 1 ص 69 .