لم يستعمل القرآن الكريم أسلوباً واحداً في عرض حقائقه وقضاياه المعرفيّة ، فبقدر ما كان يحمل في سمته العامّة طابعاً إيضاحيّاً ميسّراً قريباً من الذهن والفهم العامّ ولذا كان هدى وتبياناً وفرقاناً ونوراً مبيناً للناس جميعاً ، كما عرفت فإنّه مع ذلك ، ضمّن عرْضه لذلك وجوهاً وملامح مختلفة من العمق وبمستويات متفاوتة للفهم ، وهذا التفاوت المعرفى لا يلمحه إلّا من وقف على أبعاده المعرفيّة المختلفة ، وإن كان بالإمكان حتّى لمتوسّطى الثقافة والمعرفة أن يُدركوا شطراً من ذلك التفاوت المعرفى .
ولعلّ من أوضح النصوص الروائيّة بياناً لهذه الحقيقة القرآنيّة ما روى عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : «
كتاب الله عزّ وجلّ على أربعة أشياء : على العبارة ، والإشارة ، واللطائف ، والحقائق . فالعبارة للعوامّ ، والإشارة للخواصّ ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء
» « 1 » .
إنّ هذه المراتب الأربع لا يُراد منها توزيع القرآن وتقسيمه على أربعة أقسام ، قسم يمثِّل العبارة وآخر يمثِّل الإشارة ، وهكذا . وإنّما المراد هو أنّ النصوص القرآنيّة جميعاً يمكن أن تقرأ بأربعة مستويات .
أمّا المرتبة الأُولى فهي التي لا تتجاوز الظواهر ومعاني الألفاظ التي لا يتجاوز مداها المعرفى المصاديق في عالم الحسّ . وهذه المرتبة للعموم الذين لا يتجاوز إدراكهم المحسوسات ، بمعنى أنّ إدراكهم محصور في هذه المرتبة .
ببيان آخر : إنّ هذه المرتبة تختصّ بهؤلاء بشرط عدم انضمام الإشارات
هامش
( 1 ) بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : كتاب القرآن ، باب أنّ للقرآن ظهراً وبطناً ، الحديث 81 ، ج 92 ص 103 .