الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر ، ومن ادّعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر ، فهو كمَن يدّعى البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة
الباب ، أو يدّعى فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو لا يفهم لغة الترك ، فإنّ ظاهر التفسير يجرى مجرى تعليم اللغة التي لابدّ منها للفهم » « 1 » .
نعم يبقى التساؤل عن كيفيّة بلوغ الإنسان هذه الموازنة الدقيقة ، وما هي مكوّنات الموقف على هذا الصعيد ؟ ثمّ ماذا لو اختلط الأمر ، أيترك الإنسان الظاهر لمصلحة الباطن ، أم الباطن لأجل الظاهر ؟
هنا يؤكّد هؤلاء الأعلام ضرورة الإيمان بالظاهر وتركه على حاله ، وذلك « لأنّ ترك الظواهر يؤدّى إلى مفاسد عظيمة . نعم ، إذا كان الحمل على الظواهر مناقضاً لأصول صحيحة دينيّة وعقائد حقّة يقينيّة ، فينبغي للإنسان حينئذ أن يتوقّف فيها ، ويحيل علمه إلى الله ورسوله والأئمّة المعصومين عليهم السلام الراسخين في العلم ، ثمّ يترصّد الرحمة من عند الله ، ويتعرّض لنفحات كرمه وجوده ، رجاء أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده ، أو يقضى الله أمراً كان مفعولًا ، امتثالًا لأمره في ما روى عن النبىّ صلّى الله عليه وآله : «
إنّ لله في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا
لها
» « 2 » .
بل نرى صدر المتألّهين الشيرازي يمتدح مسلك الظاهريّين ويفضّله في مواضع متعدّدة على منهج المتأوّلة الذين يرفعون اليد عن الظاهر فيقول : « ثم لا يخفى على من له تفقّه في الغرض المقصود من الإرسال والإنزال ، أنّ مسلك الظاهريين الراكنين إلى إبقاء صور الألفاظ وأوائل المفهومات ، أشبه من طريقة المتأوّلين بالتحقيق ، وأبعد من التصريف والتحريف ، وذلك لأنّ ما فهموه من
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدِّين ، مصدر سابق : ج 1 ص 291 .
( 2 ) تفسير القرآن الكريم ، مصدر سابق : ج 5 ص 147 .