طريق الوصول إلى باطن القرآن
لمّا ثبت أنّ للقرآن بطناً بل بطوناً كثيرة ، وأنّ هذه البطون ليست من مقولة
المفاهيم والأفكار النظريّة ، إذن فلا مجال لإدراكها بالقياسات الفلسفيّة والبراهين العقليّة فضلًا عن غيرها .
قال الغزالي : « إنّ كشف الحقائق ومعرفة الأشياء على ما هي عليه
وإدراك الأسرار التي يترجمها ظاهر ألفاظ هذه العقيدة ، لا مفتاح لها إلّا المجاهدة وقمع الشهوات والإقبال بالكلّية على الله تعالى ، وملازمة الفكر الصافي عن شوائب المجادلات ، وهى رحمة من الله عزّ
وجلّ تفيض على كلّ من يتعرّض لنفحاتها بقدر الرزق المعنوي وبحسب التعرّض وبحسب قبول المحلّ وطهارة القلب ، وذلك البحرُ الذي لا يُدرك غورُه ولا يُبلغ ساحلُه » « 1 » .
وقال الطباطبائي معقّباً على قوله تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ) ( الزخرف : 3 و 4 ) « المراد بكونه « عليّاً » أنّه رفيع القدر والمنزلة من أن تناله العقول ، وبكونه « حكيماً » أنّه هناك ( أي في بطونه ) محكم غير مفصّل ولا مجزّأ إلى سور وآيات وجُمل وكلمات ، كما هو كذلك بعد جعله قرآناً عربيّاً .
وهذان النعتان أعنى كونه عليّاً حكيماً هما الموجبان لكون القرآن ( في مرتبته العالية ) وراء العقول البشريّة ، فإنّ العقل في تفكّره لا ينال إلّا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أوّلًا ، وكان مؤلّفاً من مقدّمات تصديقيّة يترتّب بعضها على بعض كما في الآيات والجمل القرآنيّة ، وأمّا إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ ( كما هو الحال في باطن القرآن ) وكان غير متجزّئ إلى أجزاء وفصول فلا طريق للعقل إلى نيله » « 2 » .
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدِّين ، مصدر سابق : ج 1 ص 99 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 18 ص 84 .