فيكون ممّا يحتمله اللفظ القرآني ويكون أحد مدلولاته ، وتخضع عمليّة نيلها ووضع اليد عليها إلى بذل الجهد العقلي والنشاط الذهني التأويلى والاتّصاف بحدّة الذكاء وعمق التفكير وما إلى ذلك ؟
اختار جملة من الأعلام في المقام ما أشرنا إليه في الاتّجاه الثاني ، من أنّ
البطون حقيقة كائنة وراء النصّ وخارجة عنه ، كالغزالى وابن عربى والشيرازي والطباطبائى وغيرهم .
أمّا الغزالي فقد قال : « فإن قلت : هذا الكلام يشير إلى أنّ هذه العلوم لها ظواهر وأسرار ، وبعضها جلىّ يبدو أوّلًا ، وبعضها خفىّ يتّضح بالمجاهدة والطلب الحثيث والفكر الصافي والسرّ الخالي عن كلّ شئ من أشغال الدُّنيا سوى المطلوب . وهذا يكاد يكون مخالفاً للشرع ، إذ ليس للشرع ظاهر وباطن وسرّ وعلن ، بل الظاهر والباطن والسرّ والعلن واحد فيه ؟
ثمّ أجاب عن ذلك بقوله : « فاعلم أنّ انقسام هذه العلوم إلى خفيّة وجليّة لا ينكره ذو بصيرة ، وإنّما ينكره القاصرون الذين تلقّفوا في أوائل الصبا شيئاً وجمدوا عليه ، فلم يكن لهم ترقٍّ إلى شأو العلاء ومقامات العلماء والأولياء ، وذلك ظاهر من أدلّة الشرع . قال صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم :
إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً وحدّاً ومطلعاً
، وقال علىّ رضي الله عنه وأشار إلى صدره :
إنّ هاهنا علوماً جمّة لو وجدت له حَمَلَة
. وقال الله تعالى : ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) ( العنكبوت : 43 ) وقال صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم :
إنّ من العلوم كهيئة العلم المكنون لا يعلمه إلّا العالمون
» . ثمّ ختم كلامه بقوله : « ومَن زعم أن لا معنى للقرآن إلّا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبرٌ عن حدّ نفسه ، وهو مصيب في الإخبار عن نفسه ، ولكنّه
اللباب في تفسير الكتاب — صفحة 117
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٧