كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلّا بُعداً
» « 1 » والبصيرة في المقام هي المنهج .
ولا يخفى أنّ تحديد المنهج المتّبع بحثيّاً في رتبة سابقة ، لا يقلّ أهمّية عن نفس المنهج ؛ فإنّ الوقوع في فوضى الأدلّة بسوقها كيفما اتّفق ، سوف يُفسد العمليّة الاستدلاليّة حتّى مع كون الأدلّة متقنة بحدّ ذاتها .
إنّ الوقوف على موقع المنهج في العمليّة الاستدلاليّة عموماً ، وفى
العمليّة التفسيريّة خصوصاً ، يكشف النقاب لنا عن الفوضى البحثيّة التي وقع فيها عددٌ كبير من أعلام المسلمين في مصنّفاتهم المختلفة وفى مختلف المجالات .
وإذا جاز لنا تقسيم العُرف إلى عامّى وآخر خاصّى ، فإنّ نسبة كبيرة من مصنّفات علماء المسلمين قد سلك فيها أصحابها العرف الخاصّى في عرْض أفكارهم وأخذ النتائج عنها ، وهذا السير المعرفى غير الممنهج لا يُعفيهم من مسؤوليّة إعادة النظر في ما كتبوه ، فإنّ العُرف الخاصّى لا يُصحّح العمل به ، لعدم ارتكازه على ضوابط صحيحة ، ولذا نجد في
أبحاث علم أصول الفقه مثلًا مجموعة غير قليلة من المسائل الفلسفيّة والكلاميّة والمنطقيّة والرجاليّة واللغويّة ، وهذا الاضطراب المنهجي نتج عنه مشكلات معرفيّة ليست قليلة ، كما وقفنا على ذلك في مباحث علم الأصول .
ولا ريب أنّ هذه الفوضى المعرفيّة والانسياق وراء عُرف غير منهجىّ ، لم تخلُ منه العمليّة التفسيريّة في جميع مراحلها التاريخيّة ، سواء كان ذلك في مرحلة التأسيس النظري لها أو في مرحلة رصد وضبط مسائلها أو في مراحلها المتأخّرة التي أبرزت لنا عيّنات محدودة جدّاً ، حاولت جادّة أن تُمنهج أبحاثها
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي ، لثقة الإسلام أبى جعفر بن يعقوب الكليني ، تحقيق : على أكبر الغفاري ، نشر دار الكتب الإسلاميّة ، الطبعة السادسة : كتاب فضل العلم ، باب من عمل بغير علم ، الحديث 1 ، ج 1 ص 43 .