مثلًا لو ألقى إلينا المَثَل السائر « عند الصباح يحمد القوم السرى » فإنّا من جهة سبق عهد الذهن بالأمر الممثّل له ، نجرّد المَثَل عن الخصوصيّات المكتنفة بالكلام كالصباح والقوم والسري ، ونفهم من ذلك أنّ المراد أنّ حسن تأثير عمل وتحسين فعله إنّما يظهر إذا فرغ منه وبدا أثره ، أمّا ما دام الإنسان مشتغلًا به محسّاً تعب فعله فلا يقدّر قدره . وأمّا إذا لم نعهد الممثّل وجمدنا على المَثَل ، خفى عنّا الممثّل وعاد المَثل خبراً من الإخبار ، ولو لم نجمد وانتقلنا إجمالًا إلى أنّه مَثل لم يمكننا تشخيص المقدار الذي يجب طرحه بالتجريد وما يجب حفظه للفهم .
وهذا ما أكّده القرآن في قوله تعالى : ( وَتِلْكَ
الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) ( العنكبوت : 43 ) حيث بيّن أنّ هذه البيانات القرآنيّة وإن كانت عامّة تقرع أسماع جميع الناس ، لكن الوقوف على حقيقة معانيها ولبّ مقاصدها خاصّ لأهل العلم ممّن يعقل حقائق الأُمور ولا يجمد على ظواهرها ، والشاهد على ذلك قوله : « ولا يعقلها » دون أن يقول : « وما يؤمن بها » أو ما في معناه .
فهذه البيانات في كلامه تعالى يختلف الناس في تلقّيها باختلاف أفهامهم ، فمن سامع لا حظّ له منها إلّا تلقّى ألفاظها وتصوّر مفاهيمها الساذجة من غير تعمّق فيها وسبر لأغوارها ، ومن سامع يتلقّى بسمعه
ما يسمعه هؤلاء ثمّ يعود في مقاصدها العميقة ويعقل حقائقها الأنيقة .
إذا اتّضح ذلك نقول : إنّه لا مخلص عن المحذورين المتقدِّمين إلّا بتفريق
المعاني الممثّل لها إلى أمثال مختلفة وتقليبها في قوالب متنوّعة حتّى يفسّر بعضها بعضاً ويوضح بعضها أمر بعض ، فيعلم من خلال هذا المنهج :
أوّلًا : أنّ البيانات القرآنيّة أمثال ، ولها في ما وراءها حقائق ممثّلة ، وليست مقاصدها ومراداتها مقصورة على اللفظ المأخوذ من مرتبة الحسّ والمحسوس .
وثانياً : بعد العلم بأنّها أمثال ، يعلم بذلك المقدار الذي يجب طرحه من
اللباب في تفسير الكتاب — صفحة 108
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٨