ولذلك ترى الراسخين في العلم المتأبّين تأويل القرآن بما لا يرتضيه ربّهم يشيرون إلى ذلك في خاتمة مقالهم حيث يقولون : ( إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) ( آل عمران : 9 ) .
أهمّ النتائج المترتّبة على وجود التأويل للقرآن
1 : جميع المعارف القرآنيّة أمثال مضروبة للتأويل الذي عند الله
لكي تتّضح هذه الحقيقة لابدّ من الإشارة إلى عدّة مقدّمات :
الأُولى : إنّ الله سبحانه ذكر أنّ لكتابه تأويلًا هو الذي تدور مداره المعارف القرآنيّة وتنشأ منه ، سواء على مستوى المعارف الإلهيّة والحقائق العقديّة أو على مستوى القوانين والأحكام الاجتماعيّة أو على مستوى التكاليف العباديّة ، وأنّ هذا التأويل الذي تستبطنه جميع هذه البيانات أمر تقصر عن نيله الأفهام وتسقط دون الارتقاء إليه العقول ، إلّا نفوس الذين طهّرهم الله وأزال عنهم الرجس ، فإنّ لهم قابليّة مسّه وفهمه والوقوف على حقائقه .
الثانية : لمّا كانت عامّة الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس ولا ترقى عقولهم إلى ما فوق عالم المادّة والطبيعة ، وكان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات العلميّة إلى الورود في إدراك المعاني وكلّيات القواعد
والقوانين ، يختلف أمره باختلاف الوسائل التي يسّرت له الورود في عالم المعاني
والكلّيات ، كان ذلك موجباً لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحسّ والمحسوس اختلافاً شديداً ذا عرْض عريض على مراتب مختلفة ، وهذا أمر لا يمكن أن ينكره أحد .
ولا يمكن إلقاء معنىً من المعاني إلى إنسان إلّا عن طريق معلوماته الذهنيّة التي تهيّأت عنده في خلال حياته وعيشه ، فإن كان مستأنساً بالحسّ