المشركين ( 1 ) ، ضاربا ثبجهم ( 2 ) ، آخذا بأكظامهم ، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة
والموعظة الحسنة ( 3 ) ، يكسر الأصنام وينكت الهام ( 4 ) حتى انهزم الجمع وولوا الدبر ،
حتى تفرى الليل عن صبحه ( 5 ) وأسفر الحق عن محضه ( 6 ) ، ونطق زعيم الدين ( 7 ) ،
وخرست شقاشق الشياطين ( 8 ) ، وطاح وشيظ النفاق ( 9 ) ، وانحلت عقد الكفر
والشقاق ، وفهتم بكلمة الإخلاص ( 10 ) في نفر من البيض الخماص ( 11 ) ، وكنتم على شفا
هامش
( 1 ) المدرجة : المذهب والمسلك . وفي الكشف : " ناكبا عن سنن مدرجة المشركين " وفي رواية
ابن أبي طاهر " مائلا على مدرجة " أي قائما للرد عليهم ، وهو تصحيف .
( 2 ) الثبج بالتحريك : وسط الشئ ومعظمه ، والكظم بالتحريك : مخرج النفس من الحلق ، أي
كان صلى الله عليه وآله لا يبالي بكثرة المشركين واجتماعهم ولا يداريهم في الدعوة .
( 3 ) كما أمره سبحانه : " أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن
" . وقيل : المراد بالحكمة : البراهين القاطعة ، وهي للخواص وبالموعظة الحسنة ، : الخطابات المقنعة
والعبر النافعة ، وهي للعوام ، وبالمجادلة التي هي أحسن : إلزام المعاندين والجاحدين بالمقدمات
المشهورة والمسلمة ، وأما المغالطات والشعريات فلا يناسب درجة أصحاب النبوات .
( 4 ) النكت : إلقاء الرجل على رأسه ، ويقال : طعنه فنكته . والهام جمع الهامة ، بالتخفيف فيهما ،
وهي الرأس والمراد قتل رؤساء المشركين ، وقمعهم وإذلالهم ، أو المشركين مطلقا وقيل : أريد به إلقاء
الأصنام على رؤوسها ، ولا يخفى بعده لا سيما بالنظر إلى ما بعده . وفي بعض النسخ : " ينكس الهام "
وفي الكشف وغيره : " يجذ الأصنام " ومن قولهم : جذذت الشئ : كسرته . ومنه قوله تعالى :
" فجعلهم جذاذا " .
( 5 ) الواو مكان حتى كما في رواية ابن أبي طاهر أظهر : و " تفرى الليل " أي انشق حتى ظهر
ضوء الصباح .
( 6 ) يقال : " أسفر الصبح " أي أضاء .
( 7 ) زعيم القوم : سيدهم والمتكلم عنهم . والزعيم أيضا الكفيل . والإضافة لامية ، ويحتمل
البيانية .
( 8 ) خرس بكسر الراء . والشقاشق جمع شقشقة بالكسر ، وهي شئ كالرية يخرجها البعير من
فيه إذا هاج . وإذا قالوا للخطيب : ذو شقشقة فإنما يشبه بالفحل . وإسناد الخرس إلى الشقاشق
مجازي .
( 9 ) يقال : طاح فلان يطوح ، إذا هلك أو أشرف على الهلاك وتاه في الأرض وسقط . والوشيظ
بالمعجمتين : الرذل والسفلة من الناس ، ومنه قولهم : إياكم والوشايظ . وقال الجوهري : " الوشيظ :
لفيف من الناس " ليس " أصلهم واحد " ا " أو بنو فلان وشيظة في قومهم أي هم حشو فيهم .
والوسيط بالمهملتين : أشرف القوم نسبا وأرفعهم محلا : وكذا في بعض النسخ وهو أيضا مناسب .
( 10 ) يقال : فاه فلان بالكلام - كقال - أي لفظ به ، كتفوه . وكلمة الإخلاص كلمة التوحيد . وفيه
تعريض بأنه لم يكن إيمانهم عن قلوبهم .
( 11 ) البيض : جمع أبيض وهو من الناس خلاف الأسود . والخماص بالكسر : جمع خميص ،
والخماصة تطلق على دقة البطن خلقة وعلى خلوه من الطعام ، يقال : فلان خميص البطن من
أموال الناس ، أي عفيف عنها . وفي الحديث : " كالطير تغدو خماصا ، وتروح بطانا " . والمراد
بالبيض الخماص إما أهل البيت عليهم السلام ويؤيده ما في كشف الغمة : " في نفر من البيض
الخماص الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " ، ووصفهم بالبيض لبياض وجوههم ، أو
هو من قبيل وصف الرجل بالأغر ، وبالخماص لكونهم ضامري البطون بالصوم وقلة الأكل
ولعفتهم عن أكل أموال الناس بالباطل . أو المراد بهم من آمن من العجم كسلمان - رضي الله عنه -
وغيره ، ويقال لأهل فارس : بيض ، لغلبة البياض على ألوانهم وأموالهم ، إذا الغالب في أموالهم
الفضة ، كما يقال لأهل الشام : حمر ، لحمرة ألوانهم وغلبة الذهب في أموالهم ، والأول أظهر . ويمكن
اعتبار نوع تخصيص في المخاطبين فيكون المراد بهم غير الراسخين الكاملين في الإيمان ، وبالبيض
الخماص الكمل منهم .