1 المستوى القرآني
لقد انطلق الاتجاه الجبري في استدلاله على دعواه من عدد من الآيات القرآنية ذكر أنّها تدلّ على نظرية الجبر . وما يلحظ منهجياً على هذا الاتجاه هو ممارسته ضرباً من التجزئة والتبعيض في التعاطي مع الآيات القرآنية ، حيث
مال إلى انتقائية غير مبرّرة جنح فيها إلى طائفة من الآيات وترك طائفة أخرى تتغاير مدلولاتها مع الطائفة الأولى .
لا ريب أنّ كلمة الجميع تتّفق على أنّ القرآن صادر بأجمعه من متكلِّم واحد ، ومن ثمّ يقضى المنهج السليم أن يؤخذ كلامه بأجمعه في استبيان رؤاه إزاء الموضوع المطروح ، بينما الذي وقع به الجبريون أنّهم مالوا إلى فئة من الآيات تؤيّد رؤاهم وأهملوا بقيّة الآيات . فما أخذوه من القرآن يفيد أنّ هذه الأفعال التي صدرت من الإنسان مسندة إلى الله ، لكن ماذا بالنسبة إلى مئات الآيات الأخرى التي نسبت الافعال للإنسان نفسه أو إلى ذوات وعوامل أخرى .
وإذا كان ثَمَّ محذور يلزم من الأخذ ببعض الآيات فإنّ ذلك لا يبرّر رفع اليد عنها للوهلة الأولى ، دون التدبّر بسبيل للجمع بين مدلولاتها ، وعجز فئة عن ذلك ليس دليلًا على عجز الجميع .
إنّ القرآن الكريم نسيج واحد يفسِّر بعضه بعضاً ، ويشهد بعضه على بعض ، وينطق بعضه ببعض ، وينثنى بعضه على بعض ، كما يشهد لذلك القرآن نفسه ؛ لأنّه من مصدر واحد : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً « 1 » ؛ ويؤيّد ذلك الروايات .
على هذا لا معنى للتعضية التي مارسها أصحاب هذا الاتجاه ، لاسيّما وأنّ القرآن نفسه قد حذّر من خطأ هذا المنهج : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ « 2 » .
انطلاقاً من هذه الملاحظة المنهجية واجه الاتجاه الجبري ردوداً محكمة
هامش
( 1 ) النساء : 82 .
( 2 ) الحجر : 91 .