الموقف . فقد سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة ، فردَّ عليه الإمام أمير المؤمنين بقوله :
إنّك سألت عن الاستطاعة ، فهل تملكها من دون الله أو مع الله ؟ »
فسكت عباية . فقال له الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
قل يا عباية
. فقال عباية : فما أقول يا أمير المؤمنين ؟
لقد صار عباية في موقف حرج لأنّه إن قال إنّه يملكها مع الله فهو الشرك ، وإن قال يملكها من دون الله فهو الاستقلال . عندئذ علّمه أمير المؤمنين بما يلي :
« تقول : إنّك تملكها بالله الذي يملكها من دونك ، فإن ملّكك إيّاها كان ذلك من عطائه ، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه ، فهو المالك لما ملّكك ، والقادر على ما عليه أقدرك »
« 1 » .
من المهمّ أن يُلحظ كيف أنّ حروف الجرّ الثلاثة « من » و « مع » و « الباء » تؤدّى إلى مبان ثلاثة من مباني أصول العقيدة في هذه المسألة التوحيدية .
أمّا محلّ الشاهد من الرواية فيكمن في كلام الإمام علي عليه السلام : «
فهو المالك لما ملّكك ، والقادر على ما عليه أقدرك
» . وهكذا بالنسبة للأسباب ، فما من سبب من الأسباب الفعّالة في نظام الوجود إلّا والله سبحانه هو الذي ملّكه القدرة على ما يعمله ، وهو المالك لما ملّكه ، والقادر على ما عليه أقدره ، وكلّ ذلك هو من عطائه : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً « 2 » . في ضوء القاعدة ذاتها يتّضح معنى قوله سبحانه : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ « 3 » .
هامش
( 1 ) تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله ، الشيخ الحسن بن علي بن شعبة الحراني ( ت : 381 ه ) ، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، 1404 ه ، ص 213 ؛ على والفلسفة الإلهية ، السيّد محمد حسين الطباطبائي ، مؤسسة الثقلين الثقافية ، ص 76 .
( 2 ) الإسراء : 20 .
( 3 ) الإنسان : 30 .