وفعله وعمله وما يمارسه في العالم من نشاط على الصُعُد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلى مستوى العلاقات الإنسانية في نطاق الأسرة والمجتمع الواحد أو في نطاق العلاقات بين الشعوب والأمم .
حديث القرآن وما ذهب إليه من أنّه لو تعدّدت الآلهة والأرباب للزم من ذلك الفساد ، لا يريد أن ينفى ضروب الفساد الاجتماعي والاقتصادى والسياسي وما إلى ذلك ، لأنّ هذه مرتبطة بالعقل العملي ، ولها صلة ببُعد آخر من الفساد يثبته القرآن ولا ينفيه ، وإن كان لا يرتضيه ويعدّه قبيحاً . إنّ ما يركّز عليه القرآن وينفيه هو الفساد بمعنى انفساخ النظام الذي يحكم عالم الإمكان ، واضطراب النسق الوجودي الأحسن .
فالفساد في الاستعمال القرآني جاء على نحوين ؛ فساد مرتبط بالعقل النظري وفساد مرتبط بالعقل العملي . وما يلزم من تعدّد الآلهة والأرباب وينفيه القرآن نفياً قاطعاً ، هو الفساد الذي يرتبط بالعقل النظري ، وبانفساخ هذا العالم ، ومن ثمّ فهو ينفى وجود التفاوت والنقص والتضادّ بين أجزاء العالم بما يؤدّى إلى اختلال النظام الأحسن . أمّا الآيات التي أشارت إلى وجود الفساد وظهوره فهي في معرض الحديث عن الفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادى وما إلى ذلك ممّا يرتبط بالعقل العملي ، ووقوع هذا الفساد ممكن ، بل واقع ، لكنّه قبيح ولا يرتضيه القرآن .
هكذا يتّضح أنّ الفساد الذي تنفيه المجموعة الأولى من الآيات هو غير الفساد الذي تثبته المجموعة الثانية ، وبذلك يرتفع التعارض بالجمع بينهما من خلال هذا التمييز بين الدائرتين .
ب : الدليل العقلي
في البدء ينبغي التأكيد مجدّداً بأنّ البرهان الذي أشاده القرآن الكريم ومضت الإشارة إليه ، هو برهان عقلىّ معروف في اللغة العلمية ببرهان
التمانع .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 325
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٢٥